جريمة، مجزرة، إرهاب دولة، عمل همجي، هل تكفي هذه الكلمات لوصف ما قام به جنود الجيش الإسرائيلي ضد المدنيين، على متن سفن أسطول الحرية، الذين تداعو من أكثر من خمسين بلداً لكسر حصار ظالم على مليون ونصف المليون فلسطيني في قطاع غزة منذ ثلاث سنوات؟
هل استيقظ العالم على صدمة فعلاً، كما قال بعض زعمائهم وهم يرون عملية قرصنة كاملة الأركان في عرض المياه الدولية في البحر المتوسط، وعلى بعد أكثر من 125 كيلومترا من سواحل غزة المحاصرة، بالصمت الرسمي والتواطؤ الدولي، والأميركي تحديداً، فيما ينهش الجوع وسوء التغذية والأمراض مئات الآلاف من الفلسطينيين الأبرياء؟
اتخذ الأتراك زمام المبادرة هذه المرة، وقرروا مع عدد من النشطاء الدوليين والعرب خوض التجربة لآخر مدى لفك حصار يحاول البعض تجاهله، وكأن كل شيء يسير على ما يرام في المنطقة طالما انه يمضي وفق الإرادة الإسرائيلية، فكان لهؤلاء الشرفاء من المدافعين عن الحق والعدل رأي آخر، فشدوا الرحال صوب غزة، يحملون ما استطاعوا جمعه من مؤن وأدوية ومواد بناء، وليس معاول الهدم التي استخدمتها إسرائيل في تحويل حياة القطاع المحاصر إلى جحيم.
مشهد قافلة الحرية التي أراد منظموها أن تفتح كوة في جدار الصمت على جريمة الحصار التي يكتوي بنارها مليون ونصف المليون إنسان، لم يعجب آلة القتل الإسرائيلية، فحركت تحت جنح الظلام زوارق وغواصات ومروحيات تحمل جنوداً دربوا على قتل المدنيين بلا رحمة.
وفي عملية إنزال جوي فوق سفن تجارية ترفع أعلام بلادها وأعلاماً بيضاً تأكيداً على مهمتها الإنسانية، انقض الجنود على النائمين من دعاة السلام، فقتلوا وجرحوا العشرات، قبل ان يقتادوا تلك السفن إلى ميناء أسدود أمام مرأى ومسمع من العالم الذي كان يتابع في شبه ذهول ما يجري في عرض البحر.
قرصنة مفضوحة، وجريمة قتل لأبرياء مع سبق الإصرار والترصد، لكن رأينا كيف تعالت الأكاذيب الإسرائيلية لتحويل الجاني إلى ضحية، بزعم اعتداء العزل على جنود مدججين بكل أسلحة القتل، فأصابوا بعضهم بالفؤوس والسكاكين، رغم تأكيدات منظمي القافلة أن أياً من سفنها لم تحمل حتى شفرات الحلاقة.
هل كان الجيش الإسرائيلي في حاجة إلى ارتكاب هذه المجزرة لإثبات أنه قادر على السيطرة على ست سفن تجارية صغيرة؟ ألم يكن بوسع البحرية الإسرائيلية محاصرة تلك السفن واقتيادها من المياه الدولية من دون إطلاق رصاصة واحدة؟
نعم كان بوسعها فعل الأمر، لكن استخدام القوة المفرطة على هذا النحو استهدف توصيل رسالة مفادها أن فك الحصار خط أحمر لا يجب تجاوزه، كما أن الجنود الإسرائيليين الذين تجرعوا الهزيمة في جنوب لبنان، ظنوا أن استعراض القوة يمكن أن يعيد إليهم بعضاً من ماء الوجه، لكن العملية على ما جرت أكدت فشلهم الجديد، وأظهرت إلى أي مدى وصل التخبط بين قادة الكيان، فقدموا للطرف الآخر المزيد من الأدلة على وحشيتهم وصلفهم وغرورهم.
اعتقد قادة إسرائيل أن منع قافلة الحرية بالقوة يبقي حصار قطاع غزة في دائرة الصمت إلى ما لا نهاية، غير أن الحماقة التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي، جعلت من فك الحصار قضية حاضرة، ومن عشرات الدول أطرافاً في هذه القضية، ولم يعد القطاع رهينة الألاعيب السياسية الإسرائيلية، فقد كانت الجريمة فرصة لإيقاظ من ناموا للمطالبة بقوة لفك الحصار الجائر الذي لم تعرف البشرية مثيلاً له في العصر الحديث.
والآن وبعد أن شجب من شجب الجريمة، وندد من ندد، ما الذي يمكن عمله لاستغلال هذا الظرف المواتي لرفع الحصار عن القطاع، وعدم تفويت الفرصة، لأنه كما يقال يجب الطرق على الحديد وهو ساخن، والمقصود هنا ما يمكن أن يقدمه الفلسطينيون أولاً والعرب ثانياً والمجتمع الدولي ثالثاً، لقلب الطاولة على الإسرائيليين، حتى يرضخوا، وألا يتمادوا في اعتقادهم بأنهم فوق القانون، وألا يفلتوا بجريمتهم الأخيرة من دون عقاب؟
فلسطينياً، ألم يحن الوقت بعد لإنهاء الفرقة والانقسام اللذين كانا سببا مباشرا في تمادي إسرائيل في حصار القطاع؟ ماذا ينتظر الفلسطينيون لإعادة لحمتهم، ألا يدركون ان المساندة الدولية لا يمكن ان تقدم للمتناحرين؟ لقد قدم النشطاء الدوليون وجلهم من الأتراك، التضحية التي تفتح الطريق أمام إعادة ترتيب البيت الفلسطيني من الداخل؟
الفلسطينيون مدعوون أكثر من أي وقت مضى إلى إعادة التفكير في الحالة التي وصلوا إليها بفعل انقسامهم وتشتتهم، وعدم اجتماعهم على أهداف محددة تساعد في تصحيح صورة شعب قدم على مدى سبعين عاماً آلاف التضحيات لنيل حريته.
وعربياً ألم يأت الوقت لإعادة النظر في طريقة التعاطي مع إسرائيل؟ أليس من الواجب ان يكون العرب في قلب الجهود الساعية لفك حصار غزة، أم سيكتفون بقيام الإخوة الأتراك، مشكورين، بهذا الواجب نيابة عنهم؟
صحيح ان مبادرة أسطول الحرية قربت الأتراك أكثر من قضايا العرب والمسلمين، لكن الدور العربي الرسمي بات من غير المقبول ان يبقى على حاله، كما كان قبل المجزرة الإسرائيلية الأخيرة.
على العرب الإمساك باللحظة الراهنة، والبناء عليها خاصة في أروقة الهيئات الدولية، ومنظمات حقوق الإنسان، وكل المناصرين للحق والعدل في العالم، وأن تتوسع القضية، بما يساهم بشكل جدي في رفع الحصار، وألا تتوقف قوافل المساعدات الإنسانية والإغاثة العربية بالأساس، لإنقاذ سكان غزة من المصير المهلك الذي حذرت منه كافة المنظمات الدولية المعنية.
هي فرصة للتحرك على أكثر من صعيد، لنفض التخاذل والصمت المريب الذي غلف التعاطي مع حصار غزة على مدى ثلاث سنوات كاملة.
