لا يزال الأوروبيون، والعالم، يتذكّرون جيدا رئيسة وزراء بريطانيا خلال سنوات 1979 ـ 1990 والتي أطلقوا عليها لقب «السيدة الحديدية». واليوم يعود الحديث في أوروبا عن «سيدة حديدية» أخرى، ألمانية هذه المرّة، هي المستشارة انغيلا ميركل.
هذه السيدة اتخذت طيلة عدّة شهور مواقف متشددة رافضة لإنقاذ اليونان المهددة بالإفلاس، مع شبح تهديد العملة الأوروبية الموحّدة، اليورو، بالسقوط. ولم تكتفِ ميركل برفض مساعدة اليونان، بل أكّدت أن من يقترف خطأ بمستوى الذي ارتكبته اليونان يستحق العقاب.. وحتى الطرد من منطقة اليورو.
ذلك تطبيقا لما نصّت عليه الاتفاقيات الأوروبية الأساسية حيال من يخرق «ميثاق الاستقرار» الأوروبي. صحيح أنه جرى التوصّل أخيرا إلى اتفاق حول خطة إنقاذ أوروبية بالتشارك مع صندوق النقد الدولي لليونان، وبأفق يشمل غير اليونان من البلدان المهددة بوضع مشابه. لكن ليست ميركل هي التي تراجعت في واقع الأمر، ولكن الآخرين هم الذين قبلوا بشروطها.
وبدت ألمانيا هي التي أصبحت تتولى قيادة «قطار أوروبا»، وهي التي تحدد «دون التشاور» التوجيهات عمّا ينبغي، أو لا ينبغي، عمله، بعد أن كانت قد عطّلت القرار الأوروبي لشهور عديدة.
وما يتردد على ألسنة الكثير من الأوروبيين، باستثناء أغلبية الألمان، هو أنه حتى إذا كانت الإجراءات التي فرضتها ألمانيا صحيحة، فإن طريقة فرضها كانت خاطئة. ذلك أن طبيعة البناء الأوروبي تتطلّب التنسيق المستمر بين الدول الأعضاء في الاتحاد، وخاصّة بين فرنسا وألمانيا باعتبارهما محرّك مسيرة التوحيد منذ البداية، وهذا ما لم يحدث، الأمر الذي أثار حفيظة بعض المسؤولين الفرنسيين، وعبّروا عن ذلك علانية.
ويردد كُثر أن الأزمة استفحلت أكثر وتعاظمت كلفتها، بسبب «تسويف» ألمانيا للوصول إلى اتفاق؛ وهذا ما عبّر عنه الرئيس الفرنسي نفسه ولكن بدبلوماسية، عندما قال «نحن نعمل، أمّا ألمانيا فتفكّر».
بالطبع هناك فرق كبير بين الخطاب الدبلوماسي الذي يؤكّد على أهمية اتفاق بروكسل حيال الأزمة اليونانية في مطلع شهر مايو الماضي، وعلى الآفاق المستقبلية التي يفتحها، وبين المرارة التي تنضح في العديد من التحليلات، في فرنسا خاصّة، عبر الإشارة إلى «نزعة العداء لكل ما هو جرماني)؛ بل وحيث لم يتردد البعض في التلميح إلى «ذكريات الحرب»، واحتلال ألمانيا النازية لفرنسا معظم سنوات الحرب العالمية الثانية.
لا شكّ أن ألمانيا أثبتت استحقاقها بجدارة لوسام الإدارة الجيّدة، وحرصها الجازم على تجنّب الوقوع في دوّامة العجز في الميزانية واللجوء إلى الإفراط في الاستدانة. هذا على عكس الدول الأوروبية الأخرى، باستثناء الدول الاسكندنافية.
لكن فهم دوافع الموقف المتشدد الذي اتخذته السيدة ميركل، يستدعي معرفة أنه محكوم إلى حد كبير باعتبارات السياسة الداخلية الألمانية، وبموقف الرأي العام الألماني. العديد من التحقيقات واستطلاعات الرأي والتعليقات «الفجّة أحيانا»، التي عرفتها وسائل الإعلام الألمانية في الفترة الأخيرة، ذهبت كلّها في اتجاه واحد هو التأكيد على شعور غالب لدى الألمان، مفاده أن «أوروبا خدعتهم».
بعض عناوين الصحف والمجلاّت الألمانية في الأسبوعين المنصرمين، تشير ببلاغة إلى المناخ السائد في ألمانيا حيال اتفاق مساعدة اليونان ودعم اليورو وأوروبا ومستقبلها. «دير شبيغل، إحدى أشهر المطبوعات الألمانية، كرّست عنوانها الرئيسي لما أسمته «فخّ الاستدانة».
وتساءلت «ستيرن» في عنوانها: «إنقاذ البنوك وإنقاذ اليونان وإنقاذ اليورو، فكم من الزمن سوف نستطيع الصمود؟». وتردد كثيرا القول في ألمانيا أنها لا تريد أن تكون «البقرة الحلوب» بالنسبة لأوروبا.
لم تكن السيدة ميركل قادرة في الواقع على تجاهل نبض الشارع الألماني ورفضه «شدّ الأحزمة» والإرهاق في العمل من أجل «المخاتلين اليونان» الذين يمضون أوقاتا هانئة على أرصفة المقاهي. هكذا لعبت السيدة ميركل ورقة «السيّدة الحديدية» لأسابيع طويلة بحثا عن فرض ما تريد من شروط على شركائها من جهة وكي تنال بذلك مصداقية لدى جمهورها،من جهة ثانية.
لقد حققت الشقّ الأول وبدت بمثابة «الرجل» القوي في أوروبا. ولكن نجاحها أقل فيما يخص الشق الثاني، فالرأي العام الألماني مأخوذ بموجة من الحنين إلى أمجاد أيام «المارك» الخوالي الطريّة في الذاكرة. زوبعة وتمرّ.
كاتب سوري ـ باريس