قمة أخرى من قمم فرنسا ـ افريقيا تهدف لدراسة موقع افريقيا في الحاكمية العالمية وتعزيز السلام والأمن والمناخ والتنمية، و«تطبيع» العلاقات بين باريس والقارة السمراء، في ظروف محفوفة بالتحديات والمنافسة الشرسة بين القوى العظمى، وفي ظروف تتميز بإفلاس الدبلوماسية الفرنسية في افريقيا، وظهور شركاء جدد في القارة السمراء بإمكانهم أن يقدموا الكثير للشعوب الافريقية التي عانت الفقر والحرمان، سواء في عهد الاستعمار أو في عهد «الحرية والاستقلال».
ويرى أنطوان غلاسر أن فرنسا تقوم بعملية التطبيع و«ظهرها إلى الحائط»، حيث انها لم تعد تملك الإمكانات للتدخل منفردة في القارة الافريقية، وأصبحت تتبنى مقاربة متعددة الأطراف على الصعيدين الأمني والتنموي.
وتحاول فرنسا ترميم علاقاتها المتصدعة مع مستعمراتها السابقة في القارة السمراء، بعد أن بدأ التنافس يشتد بين قوى عديدة تبحث عن فرص الاستثمار في افريقيا، وعلى رأسها الصين والولايات المتحدة الأميركية والهند واليابان والبرازيل.
القمة الفرنسية الافريقية الخامسة والعشرون، التي انعقدت في مدينة نيس يومي 31 مايو وأول يونيو الجاري، جمعت 40 رئيس دولة وممثلي 53 دولة افريقية. ويحاول الرئيس الفرنسي ساركوزي من خلال هذه القمة، استدراك الوضع وتأكيد الدعم الفرنسي للقارة السمراء، في ما يتعلق بالمساعدات التنموية ومسح الديون التي تفوق 350 مليار دولار، وكذلك تقديم يد العون في حل النزاعات الداخلية ومشكلات الحدود.. الخ.
من أهم الانتقادات التي وُجهت وتوجه للمستعمِر الفرنسي السابق، أن فرنسا لم تساعد مستعمراتها على الخروج من الفقر والتخلص من الجهل والأمراض والأوبئة. كما أنها لم تساعد في إرساء قواعد الديمقراطية في الدول الافريقية، بل راحت تقدم المساعدات والدعم والمساندة لرؤساء وزعماء اشتهروا بدكتاتوريتهم وتسلطهم ونهب ثروات بلدانهم.
ومن خلال تعاملها مع مستعمراتها السابقة، وقعت فرنسا في مطبات كبيرة بقيت نقاطاً سوداء في سجل علاقاتها مع دول القارة السمراء، كتورطها في ساحل العاج حيث العاج دخلت القوات العسكرية الفرنسية في صراع مع القوات الوطنية، والدعم الذي قدمته لحكومة رواندا السابقة التي كانت تسيطر عليها فصيلة الهوتو التي صرحت علنا أنها تنوي تصفية التوتسي، ورغم ذلك استمرت فرنسا في مساندة الهوتو وتزويدهم بالأسلحة ومختلف المساعدات.
ومما يحسب ضد فرنسا المستعمرة كذلك، عدم اعترافها بجرائمها في مستعمراتها السابقة. بل إنها أصدرت قانونا في السنوات الأخيرة ـ عدلته فيما بعد ـ يمجد الاستعمار ويثني على إيجابياته والخدمات التي قدمها للدول المستعمَرة (بفتح الميم).
كما أقرت في السنوات الأخيرة سياسة «الهجرة الانتقائية»، التي هي بكل بساطة إغلاق الأبواب في وجه الشباب الأفارقة الذين يبحثون عن عمل وسبل أفضل للعيش.
فشعارات الحرية والمساواة والعدالة التي تتغنى بها فرنسا، تواجه هذه الأيام تحديات كبيرة جدا على أرض الواقع، حيث تعيش هذه الشعارات تناقضات صارخة وتعاني من وهم كبير وواقع ما زال لم يعترف بأن فرنسا هي مجتمع متعدد الأعراف والديانات والأقليات.
فالمتتبع اليوم لما يجري في دولة بحجم فرنسا وتاريخها ووزنها على الساحة الدولية، يلاحظ العنصرية والإقصاء والتهميش والفشل الذريع في عملية إدماج الآخر. فقانون «الهجرة المختارة»، على سبيل المثال، يعبر عن النية الحقيقية لدولة لا تريد إدماج الآخر والاعتراف بالجميل الذي قدمه أبناء مستعمراتها في القارة الافريقية، خلال عملية تحريرها من النازية والفاشية وفي عملية البناء والتشييد.
الأمراض والأوبئة، الفقر، الأمية والحروب، الرشوة والأنظمة الدكتاتورية التي تتوالى وتتنافس على السلطة من أجل المصالح الخاصة والتحالف مع القوى الخارجية.. تلك هي الخصائص التي تتميز بها القارة السمراء في القرن الحادي والعشرين.
في الخمسينات عندما بدأت رياح الاستقلال تهب بلطف وحنان على القارة السمراء، كان الجميع يستبشر خيرا بمستقبل زاهر وناجح للأفارقة، خاصة وأن القارة تتمتع بخيرات وثروات هائلة، وأن خروج الاستعمار منها سيفسح المجال لمشاريع التنمية والتطور والازدهار.
لكن أربعة عقود مرت على استقلال معظم دول القارة وما زالت الأمور على حالها، بل ساءت حيث الحروب والصراعات والنزاعات الداخلية، والأمراض والأوبئة والجوع والفقر والأمية.. والقائمة طويلة. فمتى تنتهي الحروب في افريقيا؟ ومتى تنتهي الأنظمة الفاسدة وأنظمة الدكتاتورية والتسلط والنهب والاستيلاء على أموال الشعب؟ متى تسخر ثروات افريقيا لخدمة شعوبها وأبنائها؟!
إذا قرأنا بعض الإحصائيات الخاصة بإفريقيا، نجد أن ما يزيد على 20 دولة افريقية تخوض حروبا ضد بعضها البعض، سواء كانت أهلية أو نزاعات داخلية أو بين أكثر من دولة، وهنا نلاحظ تورط دول أخرى مجاورة أو صديقة أو عدوة، في دعم تلك الدولة أو الوقوف ضدها.
هذه الحروب أدت في العقد الأخير إلى مقتل 3 ملايين شخص وتشريد 28 مليون نسمة، اضطروا إلى الهجرة والنزوح واللجوء إلى دول ومناطق أخرى. أما بالنسبة للأمراض، فالإيدز وحده يقضي على مليون افريقي سنويا، وهناك حاليا 40 مليون افريقي مصابون بالفيروس.
أين فرنسا من كل هذا؟ وماذا فعلته للدول والشعوب التي تسببت في فترة من فترات تاريخها في تجويعها وتجهيلها وزرع الفقر والتخلف فيها؟ وماذا قدمت القمم المختلفة والمتكررة كل سنة، للشعوب المغلوبة على أمرها في القارة العجوز؟! تناقضات صارخة بين الخطاب السياسي والواقع في الميدان.
عميد كلية الاتصال، جامعة الشارقة