تعتبر المنطقة العربية أحد أقاليم العالم التي تزخر بكم وافر من الصراعات الإقليمية، التي تأخذ أبعادا ومستويات مختلفة. ولن نأتي على الصراع العربي ـ الإسرائيلي، فهو في هذا قد شكل في نظر البعض الحاضنة التي تأتي منها كل الصراعات العربية في بعديها الداخلي والخارجي.

وتأخذ هذه الصراعات إما بعدا خارجيا، بمعنى أن يكون أحد أطرافها من غير الإقليم العربي ودول الجوار غير العربية، وهو ما يمثله صراع قوى الممانعة العربية مع القوى الدولية، وتحديدا مع الولايات المتحدة الأميركية. أو أن يكون صراعا عربيا ـ عربيا.

وفي كل إقليم من أقاليم المنطقة العربية، هناك صراع القوى الأكبر فيه مع القوى الأصغر. وقد يكون هذا الصراع علنا، إلا أنه مستتر في كل الأوقات، وقد تشمل هذه الصراعات صراع القوى الإقليمية العربية مع بعضها البعض، وهو صراع قد تقف وراءه قوى دولية أو إقليمية.

وهو صراع، وان كان الصراع العربي الإسرائيلي وكيفية التعاطي معه محوره الرئيسي، إلا أنه في ذات الوقت، صراع يخفي كذلك مصالح القوى المختلفة وتنافسها في المحافظة على مصالحها الاستراتيجية: الاقتصادية والسياسية.

وإذا كانت المصالح والنفوذ محور صراع القوى الإقليمية والدولية، فإن الخلافات الحدودية، التي لم تحل وفق الضوابط القانونية الدولية، يمكن العودة عنها كما هو حادث في معظم الخلافات الحدودية بين الدول العربية.

وقد يكون مصدر هذه الخلافات، عدم قدرة الدول الصغيرة على تفادي الاصطفافات التي تخلقها القوى الإقليمية أو الدولية. وهي اصطفافات تحرم الأطراف الأضعف عادة بعضا من المنافع والمزايا الاقتصادية التي كانوا يتمتعون بها.

وفي المنطقة العربية، فإن جزءا من هذه الخلافات قد يكون اختلاف الأمزجة والأطر الثقافية، وربما تكون تلك الاختلافات في الأنساق الشخصية لمتخذي القرار، والتي في ضوئها يتم الفعل السياسي. وهي خلافات تحمل في داخلها صراع منافع بين الدول أو على الدول.

ولا تحل هذه الصراعات في جلها في أطر مؤسساتية، إنما يكون الحل عبر سياسة «المجاملات» التي بات في ضوئها يتشكل الفعل السياسي في ما بين الدول العربية، بل إن الفعل السياسي العربي، ولكونه فعلا لا مؤسساتيا، فإن كل الحلول التي تأتي في ضوئه لا تدوم طويلا، إذ سرعان ما يكون تغير الأمزجة والظروف سببا في الانقضاض عليه.

ويلاحظ أن المنطقة العربية، هي واحدة من المناطق التي غالبا ما تكون اتفاقات القادة السابقين فيها ليست ملزمة بالضرورة للاحقين لهم.

وتتصف المنطقة العربية دون أقاليم العالم الأخرى، بحساسيتها المفرطة من الحلول الدولية، أي الحلول التي تتم في أطر المنظمات الدولية. وهي في هذا تبحث عما يسمى ب«حلول البيت العربي»، وهي حلول لا تذهب بعيدا لمعالجة جذور المشكلة، نتيجة لافتقارها للنهج المؤسساتي.

من هنا فإننا لا نرى عندنا حلولا جذرية لمشكلات إقليمية أو قطرية، حيث تمثل الحلول الممكنة، إن تحققت، مجرد مسكنات مؤقتة يسهل تجاوزها لتعود المشكلة من جديد! وتتجذر نتيجة لذلك المشكلة، وتصبح في بعض حالاتها ومع مرور الزمن، عصية على الحل.

وتتسم المؤسسات الإقليمية العربية، كجامعة الدول العربية وغيرها، بترددها وافتقارها للقدرة على التدخل والإتيان بالحل.

وهي في كل المشاكل القطرية والإقليمية العربية، لم تستطع حتى أن تُسكن من النزاعات والخلافات بين الدول العربية، ودخل بعض مؤسساتنا الإقليمية العربية، في بعض حالاتها وفي بعض المراحل، في صف أطراف عربية دون أخرى، الأمر الذي أفقدها مصداقيتها، وبالتالي القبول بنزاهة حلولها.

فهذه المنظمات بقيت عاجزة عن حل الصراع اللبناني ـ اللبناني أو العراقي ـ العراقي وصراع الشمال والجنوب في السودان. بل إن الجامعة العربية لم تعمل بجد لحل الصراع الصومالي ـ الصومالي، وتركت المشكلة لتقود، ليس فقط لانهيار الدولة، وإنما لانهيار المجتمع.

وتعكس حالة عدم القدرة على الوصول لحلول دائمة للصراعات البينية العربية، ضعف آليات فرض الحل من قبل المنظمات الإقليمية العربية من ناحية، وعجز الثقافات السياسية للقوى المتصارعة عن الوصول إلى قواسم مشتركة للحل تقوم على التنازل المشترك، أي الافتقار لما يسمى ثقافة «الكومبرومايز».

فالثقافة السياسية للقوى المتصارعة في المنطقة العربية، سواء كانت في داخل الدولة أو متصارعة معها، لا تقوم إلا على فكرة الاستحواذ على القوة، وليس التشارك فيها. أي أن جوهر الثقافة السياسية في الصراع، يقوم على نقض الآخر أكثر من القدرة على التعايش مع المختلف، بل والتشارك معه في القوة.

من هنا بدت الحلول أقرب إلى الوقتية التي سرعان ما يتم العدول عنها، أو الانقضاض عليها في أي تغير ممكن حدوثه في ميزان القوة بين القوى المتصارعة، على صعيد الداخل والخارج.

وأمام كم الحلول لمشكلاتنا الحدودية مع أطرافها العربية وغير العربية، تبرز لنا ثلاثة نماذج استطاع الحل المؤسساتي الدولي أن يحلها ويفرض القبول بها. في المقابل عجزت الحلول والمسكنات العربية عن الوصول إلى حلول قادرة على الصمود مع أي تغير في مركب القوة الداخلية والإقليمية للقوى المتصارعة.

ونتيجة لذلك فالصراع قد بات يشكل بالنسبة للدولة العربية، في معظم مواقعها الإقليمية، مشكلة تتمفصل في جذر السلوك السياسي العربي بشكل عام.

كاتب بحريني

drbaqer@gmail.com