كيف نعرّف دولة الرفاه؟ إنها الدولة الريعية التي تتولى أمر المواطن في كل شيء نظراً لثرائها. وكون دول الخليج العربية تتوفر فيها ثروات كبيرة من عائدات النفط في هذه المرحلة التاريخية، وهي دول صغيرة وعدد سكانها قليل، فقد وفرت وتوفر منذ أكثر من نصف قرن مستلزمات حياة المواطن، من بنية تحتية أساسية وخدمات شاملة من مولده حتى وفاته.

ويرى الكثيرون أن هذه الدولة هي حلم الإنسان في دولة الرفاه التي يتمناها أي إنسان، بيد أن الذين يفكرون عكس التيار، يرون أن هناك سلبيات أساسية للدولة الريعية هذه، إذ إنها تخلق إنساناً اتكالياً يعتمد كلية على الدولة، ومستهلكاً لا منتجاً، وبمرور الوقت يصبح عالة على الدولة والمجتمع.

وقد أثبتت التجربة التاريخية للدولة الريعية منذ ولادتها النفطية حتى اليوم، أنها تعيش مشكلات أساسية وأزمات تلد أخرى، ومع الثروة وزيادتها تزداد المشكلات وآثارها. وفي هذه المقالة نريد معرفة أهم المشكلات وأوجه الخلل في دولة الرفاه الريعية الخليجية وأسبابها، ثم لا بد من الحوار حول الحلول المقترحة لتلك المشكلات وأوجه الخلل.

أولاً؛ الخلل في مشروع التنمية والنهضة، إذ من المعروف أن كل بناء على أسس سليمة يتفادى المشكلات ويعيش مدة أطول ويوفر جهداً وطاقة وإمكانية.

وعندما جاءت الثروة إلى إمارات ودول منطقة الخليج العربي، لم تكن ملامح مشروع التنمية واضحة ومفهومة، فسار البناء بشكل عشوائي، وطرحت عدة مشاريع في مختلف المجالات كان الكثير منها موقتاً وقليل الجودة، صاحبها هدر للأموال والإمكانيات وتنفيع لأصحاب النفوذ، دون أن يعاقب المقصرون، مما أدى إلى استمرائهم وغيرهم للمضي في الفساد من جهة.

ولتراكم الأخطاء والمشكلات وما يستجد منها، مما أوصلنا إلى صعوبة، وأحياناً استحالة، حل تلك المشكلات وتحقيق مشروع التنمية والنهضة على أرض الواقع. التنمية التي بدأت في المنطقة قبل خمسين عاماً، نسأل اليوم تعريفها، وهل لدينا استراتيجية تنموية، وكيف نطبقها إن وجدت!

ثانياً؛ عدم وجود رؤية واستراتيجية، فقد ترتب على غياب مشروع التنمية أو تخبطه وفشله، عدم وجود رؤية استراتيجية تسبقه أو تصاحبه أو تترتب عليه، ولم نتمكن من الإجابة عن سؤال: ماذا نريد؟

لقد فهم البعض الكيفية التي تنفق فيها الثروة بأن توزع على الناس كل الناس، بغض النظر عن إنتاجيتهم، فهي ثروة الدولة توزعها بالطريقة التي تراها، وتدخل في ذلك اعتبارات كثيرة لا تنسجم مع دولة القانون والدولة الحديثة. وفهم آخرون أن المسألة هي توزيع الثروة لإرضاء الناس، ورضى الناس غاية لا تدرك، ليس عن طريق مشروعات تفيد المجتمع والأجيال القادمة.

وإنما بشكل مباشر لكسب ودهم وتأييدهم. ورأى فريق ثالث مسألة التصرف بالثروة، في تحقيق مكاسب ذاتية في حدود فهمه وأفقه وثقافته، من منطلق «شيء أفضل من لا شيء»، فأي مكسب مقبول وكاف مقارنة بأوضاع هؤلاء الناس في السابق! ويبقى فريق رابع.

وقد يكون قليلاً يمثل النخبة المثقفة وذا حس وطني، يرى أن الرؤية الاستراتيجية التي يجب أن تتوفر للدولة والمجتمع، يجب أن تبنى على أسس علمية لتبني مجتمعاً فيه مقومات القوة للاستمرار. دولة ومجتمع لا يكرر أخطاءه ويتحول ويتقدم باستمرار، لكن للأسف لم نتمكن من الوصول إلى تلك الرؤية الاستراتيجية حتى الآن.

ثالثا؛ قضية الفساد والهدر، فهل يختلف اثنان في مجتمعاتنا على أن بلداننا تعيش حالة من الفساد الإداري والمالي لا مثيل لها في تاريخنا؟

وهل يعلم العقلاني في مجتمعاتنا أن الفساد الإداري والمالي يؤدي إلى التآكل والانحطاط، وقد أسقط دولا وإمبراطوريات، فكيف وصل حالنا الآن إلى أننا لا نستطيع أن ننجز أمراً أو نحل مشكلة إلا بالرشوة، وأحياناً تقلب الرشوة الباطل حقاً والحق باطلاً؟

إن المشكلة تكمن في أن الفساد يسير بسرعة كبيرة ويشمل كل المجالات دون أن يواجه بجدية، وكل يلقي بالمسؤولية على غيره لأن الفساد ثقافة تسعى لبقائه واستمراره.

رابعاً؛ الخلل في التربية والتعليم، والمشكلة أننا لا نعرف من أين نبدأ وما هو المخرج للخلل في جوانب حياتنا المختلفة. لكن، نقول إن الإصلاح السياسي هو الأساس، وقبل وبعد ذلك، فإن إصلاح التربية والتعليم هو المدخل الذي يمكن أن تترتب عليه عملية مواجهة الخلل في كافة المجالات.

فالشعوب التي ركزت على إصلاح التعليم كاليابان، تخلصت من الخلل في حياتها، ثم إن دولاً متقدمة الآن تشكو كذلك من خلل في جوانب عديدة في حياتها، تركز على إصلاح التربية والتعليم كمخرج لمشكلاتها واستشعاراً لتفادي مشكلات القادم من الأيام.

إننا لو استرسلنا في طرح أوجه الخلل في حياتنا المعاصرة، فلن تكفينا مجلدات لبحثها ودراستها، ولهذا سنكتفي بهذه الأمثلة عليها، لكن المسألة تحتاج إرادة قوية وإدارة سليمة، فلا تنقصنا الإمكانيات، والزمن يمضي ولن ترحمنا الأجيال القادمة.

كاتب كويتي

dr.tamimialek@yahoo.com