في الوقت الذي يدين فيه العالم الكيان الإسرائيلي ويستنكر خرقه القانون الدولي وارتكابه جريمته البشعة في المياه الدولية ضد أولئك المتضامنين مع الشعب الفلسطيني المسلوبة جميع حقوقه إسرائيليًّا، وتطالب دوله بتحقيق دولي حيادي وفق ما نص عليه البيان الرئاسي لمجلس الأمن الدولي، بالإضافة إلى مطالبة مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بتحقيق دولي حيادي ذي مصداقية، تطالب الولايات المتحدة على لسان وزيرة خارجيتها هيلاري كلينتون إسرائيل بهذا التحقيق في الجريمة التي ارتكبتها، ما يعني أن العالم بدا منقسمًا إلى قسمين الولايات المتحدة وحليفها الكيان الإسرائيلي مرتكب الجريمة وبقية دول العالم.
وبالتالي فإن الإدارة الأميركية لا تزال مصرة على سلوك طريق مغاير ومعاند لإرادة المجتمع الدولي، ومساند للمجرم الإسرائيلي، الأمر الذي شجعه ماضيًا ويشجعه حاضرًا ومستقبلًا على انتهاك حقوق الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة، ويبقيه في المكانة التي أرادها وأرادت القوى العظمى له وهي فوق القانون.
إذ لا يعقل ومن غير المنطقي أن يقوم المجرم بالتحقيق في جريمته، وإذا فعل ذلك فمن المؤكد أن مثل هذا التحقيق سيفتقد للمصداقية، وهذا ما لم يسمع به أحد ولم يره من قبل، فإذا كانت لجان تقصي الحقائق الدولية تم إغواؤها وإفراغ تقاريرها من مضامينها ودفنها إلى غير رجعة، وليس ببعيد عنا تقرير القاضي اليهودي الجنوب إفريقي ريتشارد جولدستون الذي أدان جملة وتفصيلًا الكيان الإسرائيلي بارتكاب جرائم حرب في عدوانه الأخير على قطاع غزة، فلم يعد اليوم يسمع له ذكر.
وإذا كان هذا هو حال موقف الراعي الأميركي للسلام وعضو اللجنة الرباعية لسلام الشرق الأوسط، فليس بمستغرب أن يبرر رئيس الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة بنيامين نتنياهو الجريمة التي ارتكبتها قواته في المياه الدولية ضد مدنيين عزل بأنه حتى لا يتحول ميناء غزة ميناء إيرانيًّا يهدد البحر المتوسط، وهو عذر أقبح من ذنب كما يقال.
لكن ما هو واضح أن الكيان الإسرائيلي وجد من هذه الكذبة وسيلة يعتقد أنها ستساعده على امتصاص حالة الغضب العالمي، وهي كذبة تتساوق مع كذبة أخرى ساقها السفير الإسرائيلي الذي كان حاضرًا في اجتماع مجلس حقوق الإنسان مدافعًا عن موقف كيانه المحتل زاعمًا "بأن قطاع غزة يخضع في الواقع لسيطرة مجموعة إرهابية من حماس"، وأن أسطول الحرية "سياسي واستفزازي".
وفي ذلك مغالطات كثيرة؛ لأن الاستفزاز الوحيد الذي مارسه أسطول الحرية هو الطابع الإنساني لهدفه والرغبة في إنقاذ أفواه جائعة من مخالب الجوع والفقر والمرض والحر القائظ، وطبعًا كيان محتل قائم على القتل والتدمير والتعذيب والتهجير كالكيان الإسرائيلي تؤذيه الجوانب الإنسانية، فهو يريد أن يواصل عقابه للشعب الفلسطيني، ويمعن في إذلاله.
وبالتالي يرى في أي محاولة فك الحصار وأي خطوة إنسانية خطًّا أحمر لا يمكن تجاوزه، مروِّجًا ومسوِّقًا هاجسه الأمني ولمزاعمه المستمرة بأنه يتعرض لتهديد حقيقي، وأن حركة حماس سوف تستفيد من فك الحصار في إدخال الأسلحة والقذائف الصاروخية التي تستهدف الكيان المحتل ـ حسب الزعم الإسرائيلي، وذلك لإحباط أي محاولة لرفع الحصار. في حين أن منطقيًّا أن من واقع عليه الاحتلال ومحاصر ويقتل ويشرد ويمارس عليه يوميًّا صنوف الإرهاب هو المهدد أمنه حقيقة، وليس العكس.
إن انحياز الولايات المتحدة الأعمى لإسرائيل بمواقفها المؤيدة والداعمة لسياساتها الإجرامية، يمثل إهدارًا لتلك الدماء المسكوبة في المياه الدولية، وإهانة لأصدقائها في العالم أجمع، ويمثل خروجًا غير مسبوق على الأعراف ويضعف مصداقية دورها كوسيط نزيه في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي إضافة إلى تداعيات أخرى لا شك أن واشنطن صارت تدركها ولكنها تتجاهلها خدمة لإسرائيل.
