مؤسستان رئيسيتان تتحكمان في توجهات السياسة الخارجية الأميركية، وكيفية تعامل الولايات المتحدة مع العالم. هاتان المؤسستان هما: «أيباك» التنظيم المظلي للحركة اليهودية الأميركية، و«التجمع الصناعي العسكري» الذي يتكون من أباطرة صناعة الأسلحة وطاقم كبار الجنرالات على المستوى السلطوي الأعلى في وزارة الدفاع (البنتاغون).
خلال الأسبوع المنصرم، أصدر الرئيس باراك أوباما ما أطلق عليه وثيقة «استراتيجية الأمن القومي الأميركي».
وبما أن الوثيقة تنبئ ظاهرياً وكأن الولايات المتحدة، تحت حكم إدارة أوباما، تستحدث تغييرا جذريا في توجهات السياسة الخارجية الأميركية، فإن من المؤكد أن الوثيقة من تأليف طاقم الخبراء في البيت الأبيض، التابعين لكل من تنظيم أيباك والتجمع الصناعي العسكري، الذين يشكلون الدائرة الصغيرة من الشخصيات التي تلتف حول الرئيس. هذا هو المنظور الذي ينبغي من خلاله أن ننظر في محتوى الوثيقة الجديدة.
تتكون الوثيقة من ثلاثة بنود رئيسية، هي: إزالة العسكرة عن السياسة الخارجية.. والحرب على الإرهاب.. ومكانة إسرائيل في المنظومة الأمنية الأميركية.
وعلى الوجه الإجمالي، يريد الرئيس أوباما، أو بالأحرى القوى المتنفذة وراء الوثيقة، أن يوحي للرأي العام الأميركي والرأي العام العالمي فيما يبدو، أن إدارته أصبحت تتبنى بشأن الأمن القومي الأميركي، أجندة تختلف عن أجندة إدارة جورج بوش السابقة، علما بأنه كان للرئيس بوش الابن أيضاً وثيقة لاستراتيجية الأمن القومي الأميركي صدرت في عام 2002.
والسؤال الذي يطرح هو: هل هناك حقاً فروق جوهرية بين وثيقة اليوم ووثيقة الأمس؟
من حيث إزالة العسكرة عن السياسة الخارجية الأميركية، فإن إدارة أوباما تقول إن النهج المفضل لتعامل أميركا مع خصومها هو النهج التفاوضي السلمي. لكنها إذ تقول ذلك، فإن الوثيقة سرعان ما تضيف إلى هذا الطرح ما يمكن أن يكون نقيضاً له عند نهاية المطاف. فالوثيقة تقول أيضاً إن «الولايات المتحدة تحتفظ لنفسها بحق اعتماد الخيار الذي يناسب مصالحها».
وما يفهم من هذا التناقض، هو أن الولايات المتحدة سوف تفرض أهدافها على أي طرف آخر في كل الأحوال؛ فما لا يتحقق بوسيلة التفاوض يجب أن يتحقق بوسيلة الحرب أو التهديد بالحرب.
لماذا؟ هنا يدخل على الخط التجمع الصناعي العسكري. فشركات صناعة الأسلحة العملاقة لا تزدهر أو حتى تبقى على قيد الحياة لمدى طويل، دون حروب خارجية تشعلها الولايات المتحدة أو تشارك فيها.
وعندما يقول الرئيس أوباما إن واشنطن تحتفظ بالخيار المناسب لمصالحها في تعاملها مع العالم، فإنه لا شك يقصد في هذا السياق مصالح بوينغ وجنرال داينامكس ونورثروب، وغيرها من كبرى شركات تصنيع الأسلحة التي تتعاقد مع الحكومة الاتحادية عبر طاقم جنرالات البنتاغون.
هذا السياق يتضمن أيضا الحرب على الإرهاب، كما يتضمن على نحو آخر الالتزام الأميركي نحو أمن الدولة الإسرائيلية.
ما توحي به وثيقة الرئيس أوباما، هو أن سياسة إدارته في هذا الصدد تختلف عن سياسة سلفه، من حيث ان إدارة أوباما من خلال «الحرب على الإرهاب«، لا تتقصد الإسلام أو المسلمين، كما كان ديدن إدارة بوش. وإذ يشدد الرئيس أوباما على هذا المفهوم «الجديد»، فإنه يعلن في الوقت نفسه أن الولايات المتحدة ماضية في حربها على شبكة إرهابية بعينها هي تنظيم «القاعدة»، لا بكونه تنظيماً إسلامياً، وإنما لأنه فقط تنظيم مسلح يستهدف الأمن القومي للولايات المتحدة.
هذا مفهوم خداعي. فالرئيس أوباما يقول أيضا إن «حلفاء» القاعدة مشمولون باستمرار الحرب الأميركية العالمية على الإرهاب.. مما قد يعني أولاً، دولاً مثل سوريا وإيران وكافة المنظمات النضالية في أنحاء العالم العربي والإسلامي، التي تصنف كأعداء للولايات المتحدة ومصالحها، سواء كانت هذه المنظمات إسلامية أو علمانية التوجه.
في كل الأحوال، يبقى «الإرهاب» عبارة مبهمة، تفسرها واشنطن وفقاً لهوى مصالحها وتوجهاتها. لذا فإن إدارة أوباما كإدارة بوش، تحرص على إبقاء الإرهاب دون تعريف، حتى يتلاشى الفارق الجوهري بين الإرهاب والمقاومة المشروعة ضد سلطة احتلالية أجنبية.
هنا نأتي إلى موقف إدارة أوباما من إسرائيل، من خلال الوثيقة الاستراتيجية. فالرئيس أوباما يتحدث هنا عن أمن إسرائيل وكأنه جزء لا يتجزأ من الأمن القومي الأميركي. إسرائيل، تقول الوثيقة ببساطة؛ شريك مصيري للولايات المتحدة.
إجمالًا، لا يمكن القول إنه لا وجود إطلاقا لفرق جوهري بين وثيقة أوباما ووثيقة بوش. هنا فقط فرق في اللغة؛ فبينما كان بوش يستخدم لغة فظة ومباشرة، فإن أوباما يحرص على استخدام لغة ناعمة. وحتى في هذا الصدد فإن لغة أوباما مفضوحة.هكذا تبقى الأجندة الخارجية الأميركية، رهن نفوذ أيباك والتجمع الصناعي العسكري، كثوابت.
كاتب صحفي سوداني hisham200775@yahoo.com