الشعوب العربية شعوب طيبة ومستكينة، ترضى بالقليل ولا تتذمر إلا بعد أن يفيض بها الكيل، وتصل الأوضاع لمستويات لا يمكن التكيف معها والتعامل مع متطلبات الحياة اليومية. فبعض الدول العربية من ذوي الدخل المنخفض تواجه ظروفا اقتصادية متدنية، تصل في البعض منها لما هو تحت خط الفقر الذي حدده البنك الدولي بدولار واحد للفرد في اليوم.

ورغم ذلك فقد تكيفت هذه الشعوب على مواجهة هذه الظروف مرة من خلال العمل طوال اليوم، والانتقال من عمل لآخر، بحيث يتحول المواطن إلى مجرد آلة تتحرك طوال اليوم من أجل لقمة العيش، ومرة ثانية من خلال الرغبة في تعليم الأبناء وانتظار فرج الله لما يجود به المستقبل من عمل.

سواء في الداخل أو عبر الهجرة للخارج، ومرة ثالثة بالصبر الذي هو مفتاح الفرج، اعتمادا على الله مُفرج الكروب ومغير الأوضاع، وغيرها من الآليات الكثيرة التي يخلقها المواطنون خلقا في سبيل التكيف مع ظروف حياتهم ومواجهة مستجدات الضغوط الاقتصادية التي تعاندهم.

وعلى ما يبدو فإن القيادات في العديد من الدول العربية، لم يسترع انتباهها كم الضغوط التي تواجه مواطنيها، وبشكل خاص بعد أن سحبت الدولة يدها تماما من برامج الرعاية الاجتماعية، في ظل تطبيق وصفة صندوق النقد الدولي المرتبطة بالخصخصة والتكيف الهيكلي والتصحيح الاقتصادي.

وأغلب الظن أن القيادات العربية تعرف ما يحيق بمواطنيها، لكنها تستخدم العديد من الحيل في مواجهة حالة الاحتقان التي وصلت إليها هذه الدول. ومن أكثر هذه الحيل تأثيرا، المواجهة الأمنية التي تُجهض أية محاولات احتجاجية ضد الدولة أو رموزها أو توجهاتها السياسية والاقتصادية المختلفة.

ورغم ذلك فإن الدولة، إن لم يكن لديها مشروع تنموي واضح ومستدام، لن تستطيع أن توقف مسيرة الاحتجاجات التي تنتقل من شريحة لأخرى ومن طبقة لأخرى. فالاحتجاجات مثل السرطان تنتقل بسرعة، وتنتشر بين الجماعات المختلفة، بشكل لا يتوقعه المرء، وربما السلطات الحاكمة ذاتها.

ما هي العوامل التي تدعو للاحتجاج والتظاهر والإضراب في عالمنا العربي؟ وهل هناك من سبيل لمواجهة هذه الاضطرابات التي تنتقل من بلد لآخر بسرعة لم تعهدها الدول العربية من قبل؟ وهل هناك مخاطر حقيقية تواجه بنية الدولة العربية جراء تصاعد وتيرة هذه الاضطرابات؟!

بعيدا عن الممارسات السياسية الحقيقية، فقد نشأت ثقافة الاحتجاج في العالم العربي ضد المستعمر الأجنبي في الأساس، وهو أمر انتهى بالحصول على الاستقلال لكل دول المنطقة. وتبنت دولة ما بعد الاستقلال برامج تنموية طموحة، صادرت معها ومن خلالها العمل السياسي، وبترت ثقافة الإضراب والاحتجاج.

فقد أصبحت هذه الممارسات في عرف دولة ما بعد الاستقلال، نيلاً من هيبتها وكرامتها، وهو أمر أوصل الكثيرين إلى غياهب السجون في العديد من الأنظمة القمعية في العالم العربي. وفي ظل هذه الظروف والأوضاع كان هناك قبول ضمني من جانب المواطن العادي، يؤكد على تنازله عن العمل السياسي الاحتجاجي، الذي لم يكن يمثل بالنسبة له أي أهمية، مقابل توفير لقمة العيش له ولأبنائه من قبل الدولة، والخدمات المرتبطة بذلك من تعليم وصحة ومسكن وغيرها.

ولم يدم الحال على هذا المنوال في ظل أمرين بالغي الأهمية، أولهما انسحاب الدولة من وظائفها التي اعتادت القيام بها تجاه المواطن، وثانيهما التوسع الهائل في وسائل الإعلام الذي ساعد على إبراز ما يتعرض له البشر في عالمنا العربي، وأنهى قدرة الدولة على إخفاء ما يحدث لمواطنيها سياسيا واقتصاديا.

وفي ضوء هذين الأمرين نشأت ثقافة الاحتجاج والإضراب، مرتبطة أساسا بالمطالبة بالحقوق الاقتصادية. فاللافت للنظر أن معظم الاحتجاجات والإضرابات والمظاهرات في عالمنا العربي، مرتبطة بالحقوق الاقتصادية وما يرتبط بها من مطالبة بعلاوات أو زيادة مرتبات، أو حتى تلك الحقوق المنهوبة التي أغمض الطرف عنها رجال الأعمال، الملاك الجدد للقطاع العام.

ومن الواضح أن هذه الاحتجاجات سوف تتسع في العالم العربي، في ظل عدم وجود خطط تنموية حقيقية على المدى المتوسط والبعيد، واكتفاء الدولة بترهيب المحتجين.

وفي هذا السياق، يجب التعامل مع تصاعد وتيرة الاحتجاجات، وبشكل خاص العمالية منها، من خلال دراسة مطالبهم بشكل جاد، وألا تكتفي الدولة بالقيام بدور محايد بينهم وبين رجال الأعمال الجدد. كما أنه من الضروري ألا تضعف الدولة أمام الاستثمارات الأجنبية، وألا تبلغ حد الإفراط في المزايا الهائلة التي تمنحها للمستثمرين الأجانب، بما في ذلك الافتئات على حقوق العمال المحليين بها.

إن الواقع العربي الراهن يؤكد أن السنوات القادمة ستشهد اتساع ثقافة الاحتجاج في الدول العربية، وهى ظاهرة، وإن كانت لها جوانبها الإيجابية من ناحية زيادة الوعي بالحقوق والقدرة على المطالبة بها، إلا أنها أيضا تشتمل على جوانب أخرى سلبية، ترتبط بانتشار الفوضى وما لا تحمد عقباه بالنسبة لبنية الدولة العربية ذاتها. وهو أمر يؤكد ضرورة المواجهة الشاملة، اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا، لهذه الظاهرة بشكل يحسن من أوضاع المواطن، ويرسم معالم تنمية حقيقية مستقرة وآمنة اجتماعيا.

كاتب مصري

salehabdelazim@hotmail.com