من يقرأ استراتيجية الأمن القومي الأميركي التي صدرت الأسبوع الماضي، يدرك أن أميركا ابتعدت عن رؤية بوش الابن وفريقه، وعادت بسياستها الخارجية إلى ما كانت عليه قبله. فهذه الوثيقة، رغم أنها لا تمثل تحولا راديكاليا في سياسة أميركا الخارجية، ولا هي قدمت أفكارا جديدة، فإن قيمتها تنبع من أنها أكدت على تراجع أميركا عن منهج بوش، بل وقامت صراحة بتفنيد كل أطروحات إدارته وأفكارها.

فالوثيقة التي تقع في اثنتين وخمسين صفحة، فضلا عن المقدمة التي كتبها ووقعها الرئيس الأميركي، رفضت صراحة ليس فقط رؤية بوش للعالم، وإنما المبادئ الرئيسية التي تبنتها إدارته.

فهي رفضت اعتبار الإرهاب هو التهديد الأول لأميركا، ورفضت الأحادية في السياسة الخارجية والغطرسة التي اعتمدتها إدارة بوش في التعامل مع الحلفاء قبل الأعداء، ورفضت الاعتماد على القوة الغاشمة وحدها لإدارة السياسة الخارجية الأميركية.

وقد اختفت من الوثيقة تعبيرات الكاوبوي الملفقة، بدءا من «الحرب على الإرهاب»، مرورا بالصدمة والرعب، ووصولا إلى الحرب الاستباقية.

وفي المقدمة التي كتبها أوباما، كان واضحا أن رؤيته للعالم لا تقوم ـ مثل بوش ـ على اعتباره عبارة عن مكان مليء بالتهديدات والشر، وإنما باعتباره مكانا مليئا بالفرص والتحديات. بل قال أوباما صراحة، إن أمن أميركا على المدى الطويل «لن يتحقق من خلال قدرتنا على زرع الخوف في نفوس الشعوب الأخرى، وإنما عبر قدرتنا على أن نخاطب آمالهم».

وأول ما يلفت الانتباه في تلك الوثيقة، هو تكرارها المستمر لتعبير «إحياء» الزعامة الأميركية، في اعتراف ضمنى بأن هناك فشلا قد منيت به أميركا في السنوات الماضية، فقدت معه ما يستوجب «الإحياء».

ومن هنا، جاء تأكيد الوثيقة على ضرورة العمل الدولي الجماعي، بما في ذلك العمل من خلال المنظمات الدولية التي ناصبتها إدارة بوش العداء وسخرت منها.

ومن هنا أيضا كان التأكيد الصريح في الوثيقة، على أن القوة العسكرية الأميركية لن تكون أهم أدوات السياسة الخارجية الأميركية، ولا الأولى التي يتم اللجوء إليها. فبينما تحتفظ الوثيقة بحق أميركا في الاستخدام الأحادي للقوة العسكرية إذا لزم الأمر، فإنها تؤكد على أن اللجوء لها يكون بعد استنفاد كل الوسائل الأخرى، ومتزامنا مع الالتزام بالقواعد المتعارف عليها دوليا عند استخدامها.

ومن الواضح أن هناك جديدا في ترتيب إدارة أوباما لما اعتبرته تهديدات للأمن القومي الأميركي. صحيح أن الوثيقة بدأت بالحديث عن الإرهاب قبل غيره، إلا أنها قالت صراحة إنه «واحد فقط من بين العناصر التي تشكل بيئتنا الاستراتيجية»، بل ورفضت اعتبار «شبكات جماعات العنف المتطرفة» هي التهديد الأول والأخطر للأمن القومي الأميركي.

ففي الوثيقة، احتل انتشار السلاح النووي واحتمال وقوعه في يد المتطرفين، الموقع الأول في سلم التهديدات. بعبارة أخرى، فإن حصول الجماعات المتطرفة على السلاح النووي، لا تلك الجماعات نفسها، هو التهديد الأول للأمن القومي الأميركي. وهو فارق مهم، لم يكن موجودا في عهد إدارة بوش التي كانت تساوي بين الاثنين.

لكن ما لفت انتباهي، هو اهتمام الوثيقة بالتهديدات التي تحدث في العالم الافتراضي، بل واعتبارها من أهم تهديدات الأمن القومي الأميركي. فقد قالت الوثيقة في عبارة ذات دلالة، إنه «بالإضافة إلى المعارك التقليدية، هناك تهديدات تستهدف اعتمادنا على الفضاء وعلى العالم الافتراضي».

وقد خصصت الوثيقة فعلا جزءا معتبرا لتناول تلك المسألة، والتأكيد على ضرورة حماية «البنية التحتية الرقمية»، وزيادة الوعي بأهمية الأمن في العالم الافتراضي، فضلا عن «ضرورة ابتكار تكنولوجيا جديدة يمكنها حماية» المواقع الحكومية والصناعية الحساسة.

أما في ما يتعلق بالشرق الأوسط، فرغم أن الجزء الخاص بالصراع العربي الإسرائيلي لم يتضمن جديدا يذكر، بل انطوى على استخدام خطاب بالغ العمومية، فإن ما جاء بخصوص دعم الديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم، كان هو الأكثر أهمية. فمجمل ما جاء في الوثيقة معناه أن أميركا في عهد أوباما، ستتوقف عن استخدام الديمقراطية كأداة لابتزاز النظم الشمولية كما كان عليه الحال في عهد بوش.

فالوثيقة جسدت براغماتية أوباما، بشرحها الواضح لكيفية التعامل مع النظم غير الديمقراطية الحليفة لأميركا. فإدارة أوباما لن تحرج أولئك الحلفاء «علنا»، عبر انتقاد سجلاتهم البائسة في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان.

فهناك منهج «ثنائي» ستتبعه الإدارة على حد تعبير الوثيقة، يقوم على «دعم علاقات التعاون مع تلك النظم، ثم استغلال تلك العلاقات القوية لفتح حوار معها، لدعم الديمقراطية وحقوق الإنسان»، وهو ما يعنى بالضرورة أن ذلك «الحوار» سيكون في الغرف المغلقة.

ولا يقل أهمية عن ذلك، ما قالته الوثيقة عن فتح القنوات مع القوى والحركات السياسية المختلفة، ثم ما ذكرته عن «الاعتراف بشرعية كل الحركات الديمقراطية السلمية»، بغض النظر عن اتفاق الولايات المتحدة مع أهدافها، «والترحيب بكل الحكومات التي تنتخب بشكل شرعي، طالما التزمت باحترام حقوق شعوبها واحترمت التزامات بلادها الدولية».

والحقيقة أن ما جاء بخصوص دعم الديمقراطية في العالم ليس جديدا، إذ سبق أن قاله أوباما بنفسه في خطاب القاهرة. وتلك في الواقع، هي الرسالة الأهم في الوثيقة للنظم الحليفة لأميركا، في العالم العربى وغيره. فهي رسالة ذات بعدين؛ فمن ناحية، يمكن لهذه النظم أن تطمئن إلى أن أوباما لن يحرجها علنا أو يبتزها باسم الديمقراطية.

ولكن الرجل من ناحية أخرى، لن يتوانى عن فتح قنوات مع كل القوى والحركات السياسية. والأهم من ذلك، هو أن هذه الإدارة لن تمانع في وصول أي فريق للسلطة، بما في ذلك الإسلاميون، في أي بلد عربي، طالما احترم ذلك الفريق حقوق الأقليات مثلا، والتزم بعدم الإخلال بالمعادلة الإقليمية الراهنة بكل مفرداتها.

كاتبة مصرية

manarmes@yahoo.com