جنون الغطرسة الإسرائيلية، بلغ حدّاً ما عاد يجوز التعامل معه باللغة الخشبية المألوفة: التعبير عن الإدانة والأسف والاستنكار وأن ما قامت به تل أبيب غير مقبول والقوة التي استخدمتها كانت غير متكافئة... وبالتالي المطالبة بتحقيق في عدوانها. هذه ديباجة تجاوزتها الظروف.
صارت عبارات يابسة. الجريمة التي ارتكبتها فوق المياه الدولية، ضاربة بعرض الحائط كل الاعتبارات الإنسانية والحقوقية والقانونية الدولية؛ كافية لإحالتها على المحاكمة أمام المحكمة الجنائية الدولية. على النيابة العامة فيها تحريك مثل هذه الدعوى، إذا عجز مجلس الأمن عن القيام بالمبادرة.
الهجوم على قافلة الإغاثة بهذه الوحشية والدموية، تتوفر فيه كل العناصر الجرمية المطلوبة. معه كسرت إسرائيل كل الخطوط الحمراء. صحيح أن تاريخها العدواني حافل بالانتهاكات والخروق والتعديات، من كل صنف وحجم. بل ليس فيه سوى مثل هذه البضاعة. لكن هذه المرة، وصل الانفلات إلى حدود تهديد السلم والأمن في المنطقة والعالم.
ويبدو أن العالم قد طفح كيله معها. بل ينبغي أن يكون الأمر كذلك. ما أقدمت عليه يتجاوز القرصنة ويشكل سابقة في غاية الخطورة. ومما لا شك فيه، أنه لولا التهاون المزمن معها، لما كانت قادرة على الوصول بعدوانيتها إلى مثل هذا التطاول الفاجر.
الغطاء الأميركي، ضمن لها وضعية، أقرب إلى الامتياز. صارت فوق القانون والأعراف والقواعد الناظمة للعلاقات الدولية. ومع هذه الحصانة، بلغ الاستعلاء والاستهتار لديها حدود الاستباحة المفتوحة. لا رادع ولا مانع. وعندما تصل الأمور إلى مجلس حقوق الإنسان ؟ كما في تقرير غولدستون ؟ أو إلى مجلس الأمن الدولي، تقطع واشنطن الطريق لتعطيل أي إجراء.
أو لتفريغه من أي مضمون. وهذا ما حصل ليلة أمس الأول. فبعد 12 ساعة من المداولات، انتهى المجلس عند قرار باهت غير ملزم؛ يوصي بفتح تحقيق والإفراج عن السفن والمعتقلين من الناشطي! فجاجة العدوان والجريمة لم تشفع بالقضية.
سيف الفيتو الأميركي ؟ وربما غيره أيضاً ؟ منع استصدار قرار يلزم إسرائيل ولو بالتعاون مع تحقيق دولي. هذا من الممنوعات. اعتادت إسرائيل على العدوان والإفلات من المساءلة. هذه المرة استفحل شرّها. آن الأوان لإنزالها من فوق القانون ووضعها تحته. البديل، إشعال حروب لن توفر أحداً.
