بدأ منذ يوم الخميس الماضي، عرض فيلم «الجنس والمدينة» في دور السينما الأميركية، والتي سينطلق منها العرض إلى باقي دول العالم باستثناء الشرق الأوسط، ولكن لماذا الشرق الأوسط؟ تجيب عن هذا السؤال أحداث الفيلم التي يزعم مروجوه أنها قد جرت في أبوظبي!

والحقيقة أن أغلب المشاهد تم تصويرها في نيويورك، فضلا عن مدينة عربية يحلو لأهلها أن يطلقوا عليها اسم «المدينة الحمراء»، كما أن الفيلم يزعم أنه يروج للسياحة الخليجية، والإماراتية على وجه الخصوص، فيصدق فيهم المثل القائل «عذر أقبح من ذنب».

تدور أحداث الفيلم حول أربع نساء من مدينة نيويورك، يقضين عطلة نهاية الأسبوع في أبوظبي، وهناك تدور أحداث القصة، حيث يحاولن في زعمهن أن يتقيدن بآداب الحشمة ومراعاة العادات والتقاليد الاجتماعية للمدينة، ولكنهن يفشلن في ذلك حيث يغلب عليهن الطابع الغربي في سلوكهن وتصرفاتهن، فيتصرفن بطريقة إباحية مبالغ فيها، تتنافى مع ديننا الحنيف وقيمنا وخصوصية مجتمعاتنا، ويتم ذلك كله بأسلوب «كوميدي» يسعى إلى إثارة الجمهور وفرض حالة من الإباحية وأجواء من الرذيلة، ناهيك عن تزييف الحقائق.

ويطل هذا الفيلم برأسه، كأعمال أخرى ومحاولات سابقة، على الوطن العربي ومنطقة الخليج تحديدا، لينال من تعاليم دينه الحنيف، وليفتّ في عضد قيمه ومبادئه وسلوكياته الاجتماعية، بذريعة الترويج للسياحة في المنطقة باعتبارها منطقة جذب سياحية واقتصادية يتهافت عليها محبو السياحة والثروة، وهي محاولة فاشلة ومكشوفة، حتى غدت أوضح من الشمس في رابعة النهار، ولا يخفى على ذي لب كذبها وزيفها «وليس يصح في الإفهام شيء.. إذا احتاج النهار إلى دليل».

ولذلك رفضت كل من دبي وأبوظبي أن تكونا مسرحا لتصوير الفيلم، حيث إن الفيلم يحوي الكثير من المشاهد الإباحية، وكذلك يزوّر كثيرا من الحقائق، ويعرض الإمارة بصورة مخالفة تماما للواقع وبطريقة لا يقبلها شرع ولا عرف، فهو يلطخ قيمنا بوحل الإباحية التي استمد الفيلم منها اسمه فكان «الجنس والمدينة»، ويكرر التناول النمطي المتحيز ضد العرب، ويقدمهم في صورة بالغة السلبية.

وهذا الفيلم، وما سار على شاكلته، يدعونا للنظر إلى ما يدور خلف الكواليس وما يحاك بليل، فكذبة الترويج للمدينة واضحة جلية، فإمارة أبوظبي تمتلك أسطولا إعلاميا ضخما، ووسائل ترويج استطاعت أن تنقل صورة المدينة الحضارية الحديثة إلى كل بيت على وجه المعمورة، فهي ليست بحاجة إلى وصي يروج لها.

والأمر يتجاوز فكرة الترويج السياحي والاقتصادي، إلى وجود منظمات وهيئات تسعى إلى النيل من الوطن العربي، النيل من دينه وعروبته ومبادئه وعاداته وتقاليده وقيمه وثوابته، تسعى إلى فتّ عضده وتفريق شمله، لا لجريرة ارتكبها وإنما حقدا وبغضا في صدورهم، وحسدا من عند أنفسهم.

لقد استطاعت دولة الإمارات العربية في فترة زمنية قياسية، أن تحقق من الطفرة العمرانية والاقتصادية والحضارية ما عجز عنه كثير من دول العالم، فأصبحت في بضعة عقود من أهم دول العالم المتقدم، وبزّت دولا كانت بالأمس مقصد السياحة وبؤرة الاقتصاد.

فالإمارات اليوم بفضل قيادتها الحكيمة، تسير بخطى سريعة نحو العالمية والتميز، وفق خطط مدروسة واستراتيجيات واضحة الأهداف والمعالم، مع حرصها الشديد على المحافظة على مبادئ دينها وعاداتها وتقاليدها، وهويتها الثقافية والتاريخية، وهي وحدها التي ترسم خطوط التنمية الاقتصادية والثقافية، فهي على دراية عميقة بأنها هي، وليس غيرها، من يستطيع أن يبرز الوجه الحضاري لدولته. وصدق القائل «ما حك جلدك مثل ظفرك.. فتولّ أنت جميع أمرك».

إن المرجو من الهيئات الدولية ذات النفوذ الواسع، أن تسعى جاهدة لسن النظم والقوانين التي تجرم الاعتداء على ثوابت الأمم، وتحرم المساس بخصوصيات الشعوب، وأن تنشئ محاكم دولية يمكن بموجبها محاسبة من تسول له نفسه التدخل في ما لا يعنيه، وتزييف الحقائق وبث الأكاذيب والأغاليط دونما رقيب ولا حسيب.

جامعة الإمارات

aifM@uaeu.ac.ae

د. سيف المحروقي