من وقت إلى آخر في السيرورة التاريخية، تجد الشعوب كلها صعوبة في إلقاء نظرة فاحصة على ماضيها وجهاً لوجه، وتجد صعوبة في فتح وإعادة فتح ملفات الأرشيف المتعلقة بالمراحل المؤلمة من مغامراتها الجمعية.
هذا الأمر ينطبق على صفحة الماضي المتمثلة في الحقبة الكولونيالية، وحرب التحرير الوطني الجزائرية، التي لا تزال تلقي بإرثها وحمولتها التاريخية الثقيلة على مستقبل العلاقات الفرنسية ـ الجزائرية. فالماضي الكولونيالي يستيقظ من سباته، ويطفو على السطح، وتهب رياحه عاتية، كلما أرادت فرنسا والجزائر التقدم على طريق إبرام معاهدة صداقة بين البلدين.
في هذا الماضي الكولونيالي، تحتل الجزائر مكانة خاصة، بسبب المآسي التاريخية التي حلت بالشعب الجزائري. ويعلمنا التاريخ أيضا، وفي الدرجة الأولى، أن النظام الكولونيالي المتناقض جذريا مع المبادئ والقيم التي نادت بها الثورة الديمقراطية الفرنسية، قد أدى إلى ارتكاب مجازر في حق مئات آلاف الجزائريين، واقتلعهم من أرضهم، وشردهم.
في مهرجان كان السينمائي، تطرق المخرج الجزائري رشيد بوشارب في فيلمه الأخير، إلى مجزرة مدينة سطيف في 8 مايو 1945. ماذا جرى في ذلك اليوم الذي يعتبره المؤرخون بعد مرور أكثر من ستين سنة عليه، أنه كان «الفعل المؤسس» لثورة التحرير في الجزائر التي اندلعت بعده بنحو عشر سنوات وقادت البلاد إلى الاستقلال؟
في ربيع تلك السنة انضوى الوطنيون الجزائريون تحت لواء جمعية «أصدقاء البيان والحرية»، التي أسسها فرحات عباس، وضمت إلى جانب التيار المعتدل الذي كان يمثله، ممثلين عن جمعية العلماء المسلمين التي كان يرأسها في ذلك الوقت الشيخ البشير الإبراهيمي، خليفة الشيخ عبد الحميد بن باديس، وعن حزب الشعب الجزائري بزعامة مصالي الحاج. ونظم هؤلاء جميعاً مظاهرات خاصة بانتصار الحلفاء على ألمانيا النازية في 8 مايو 1945، فخرج الجموع في أنحاء البلاد.
وفي مدينة سطيف حمل المتظاهرون الأعلام الوطنية الجزائرية، فكان ذلك مثيرا لحفيظة المستوطنين ورجال الشرطة الفرنسيين.. وانتهى ذلك اليوم ببضع عشرات من القتلى والجرحى، منهم 102 من الفرنسيين.
كان رد السلطات الاستعمارية الفرنسية على السكان الذين نزلوا إلى شوارع مدينة سطيف، غاية في القسوة والعنف الأعمى، إذ سقط حوالي 45 ألف شهيد، حسب إحصائيات السلطات الجزائرية الرسمية، في حين تتحدث السلطات الفرنسية عن أن عدد القتلى يتراوح بين 15000 و20000 قتيل.
لقد اعتمد الفيلم الرواية الجزائرية التاريخية لمجزرة سطيف، وهو ما أثار حفيظة اليمين الفرنسي الذي يرفض الروايات الجزائرية عن المجازر التي حصلت في عهد الكولونيالية.
ومنذ سنوات تفجرت حرب الذاكرات حول هذا الماضي الكولونيالي، بين الجزائر وفرنسا. ففي عهد الرئيس جاك شيراك، قدم عدد من النواب إلى رئاسة الجمعية الوطنية الفرنسية (البرلمان) مشروع قانون رقم 667 بتاريخ 5 مارس 2005، يدافع فيه هؤلاء الممثلون البرلمانيون عن أسطورة الكولونيالية بوصفها رسالة حضارية وتمدينية متطابقة مع المثل والقيم التي اشتهرت فرنسا بالدفاع عنها!
وفي المقابل، فقد طرح النائب الجزائري موسى عبد، من حزب جبهة التحرير الوطني الجزائرية، يوم 13 فبراير 2010، مشروع قانون يُجرِّمُ الاستعمار الفرنسي في الجزائر، ويطالب بإنشاء محاكم دولية خاصة لمحاكمة الدولة الفرنسية على الجرائم التي ارتكبتها في حق الشعب الجزائري.
إن طي صفحة الماضي الكولونيالي، يحتاج إلى شجاعة سياسية وأدبية وأخلاقية عالية، من الجانبين الفرنسي والجزائري، فالتاريخ لا يطوي صفحاته من تلقاء نفسه. كما أنه من الصعب جدا تجاوز تاريخ الذاكرة لشعب بأكمله، حتى وإن أسهم المؤرخون في ردم الهوة المحفورة بين فرنسا والجزائر.
إن موقف الرئيس ساركوزي الداعي إلى إبرام معاهدة صداقة بين فرنسا والجزائر، من دون أن تقدم فرنسا اعتذاراً واضحا للشعب الجزائري، ودعوته لإحالة قضية الماضي كلها إلى التاريخ وفتح صفحة جديدة على أساس معطيات الحاضر، لا يساعد الضحايا الجزائريين على تجاوز تاريخ الألم.
كاتب تونسي
tawfik-m@scs-net.org