يعيش السودان حالة شاملة من فقدان الاتجاه وغياب البدائل، فهو في هذه الحالة، بلد بلا مستقبل. ويبدو وكأن شعبه ركاب في مركب وقد وقعت بوصلة الربان في المياه، فهم يسيرون وسط المياه، بلا معرفة للاتجاهات. وقد يشبه سفن الفضاء التي ينقطع اتصالها مع قواعدها على الأرض، وتظل تدور حتى تقع، آخر الأمر. وهي حالة مرعبة، أي عدم معرفة ماذا سيحدث في الغد المجهول. فالجميع لا يملك أي رؤية، أو بلغة البحر: محل ما تمسي ترسي.

وكل القوى التي يفترض أن تكون ممسكة بمصير السودان، وهي: الحكومة (المؤتمر الوطني)، المعارضة ومجتمعها المدني، ثم الجنوبيون (ليس الحركة الشعبية فقط)؛ لا تملك أي حلول أو رؤية للمستقبل. وهم غير قادرين على توجيه المركب التائه أو مركبة الفضاء المنبتة عن قاعدتها. وكان الجميع يتحدث عن الانتخابات كلحظة مفصلية في التطور السياسي الراهن، ولكن الانتخابات ـ كما يقول أهلنا ـ جاءت «فطيس». ولم تحدث الانتخابات الهدف المنشود، أي التغيير وإضفاء الشرعية على النظام من خلال الاعتراف بنتائج الانتخابات.

فقد استبقت المعارضة النتيجة بالمقاطعة، ثم نشرت تهم التزوير والانتهاكات بأشكالها المختلفة. والأخطر هو تراجع الولايات المتحدة الاميركية والدول الغريبة (أصدقاء الايقاد) عن شرعية اتفاقية نيفاشا. فقد قالوا جميعا بوجود خلل في الانتخابات يمتد من شبهة الاخطاء الفنية واللوجستية حتى التزوير، ولكن هذه الدول دخلت مع النظام في علاقة ابتزاز، لا أدري هل أدركها المؤتمر الوطني أم لا فهي قد صرحت بأن الانتخابات غير صحيحة ولكنها تعترف بنتائجها!

وهذا يعني احتفاظها بسلاح عدم شرعية الانتخابات وإشهاره عند اللزوم. وقد ظهر هذا الموقف الغريب مبكرا، فالدول التي اعترفت بالنتيجة، غابت عن مراسيم تنصيب الرئيس المنتخب، وهنا غلّبت موقفها المساند للمحكمة الجنائية على اعترافها بشرعية الانتخابات.

كانت احتفالات تنصيب رئيس الجمهورية مؤشرا دقيقا لمستوى الاعتراف بشرعية الانتخابات، وكان يمكن لمستوى الحضور أن يكون مكملا للموقف المتساهل من الانتخابات، ولكن تمثيل الدول لم يكن على مستوى المناسبة التي يراها المؤتمر الوطني الحاكم تاريخية.

وحتى الامم المتحدة التي يهمها أن تكون علاقاتها حسنة مع السودان لكي يقدم لها التسهيلات اللازمة لعملها، تراجعت عن إعلان الامين العام بأن الممثل الخاص له في السودان هايلي منكريوس، والمبعوث المشترك للامم المتحدة والاتحاد الافريقي ابراهيم قمباري؛ سوف يشاركان في الاحتفال، وحاول حينها تبرير ذلك القرار.

كما كان الغياب العربي ملحوظا، حتى الرئيس المصري حسني مبارك، بعث بوزير دفاعه وليس رئيس الوزراء، والرئيس الليبي القذافي، الذي اعلن عن حضوره، بعث بشخصية وضعت في الظل منذ فترة: ابوبكر يونس. وبالتأكيد، وقف نظام المؤتمر الوطني، محتارا أمام هذا السلوك الدولي والاقليمي، وهو الذي كان ينتظر مكافأة العالم على إجراء الانتخابات.

لكن هذا الموقف يعني أن المطلوب في الاتفاقية هو إجراء الاستفتاء، وأن الانتخابات مجرد وسيلة، وليست غاية في حد ذاتها، ينتقل بواسطتها النظام من الشمولية إلى التعددية.

إن ثبات الموقف الدولي بعد الانتخابات، سيكون مصدر قلق لنظام البشير، لأنه يكرس العزلة التي نتجت عن قرارات المحكمة الدولية الجنائية. ولا بد من سياسة خارجية رشيدة وعقلانية، وهذا بالفعل ما أعلن عنه البشير (28/5/2010) بقوله إنه ينوي تحسين علاقته مع الغرب. ولذلك، لا بد من العودة إلى مقترحات لجنة الحكماء الإفريقية حول المحكمة. هذه يجب أن تكون أولوية للرئيس البشير لا تقل عن الاستفتاء، لكي يمارس سلطته بلا معوقات.

أما حيارى المعارضين، فقد وقفوا في العقبة، وصمتوا غير بعض الصرخات ثم العودة إلى النوم من جديد. لا أدري لماذا تذكرت تحالف المحامين الديمقراطيين، حين ملأوا الدنيا صراخا بأن انتخابات نقابة المحامين مزورة، ثم سكتوا حتى اليوم ولم يرفعوا شكوى ولا وثقوا التزوير. وتكرر الاحزاب نفس السلوك السياسي اللامبالي.

فقد كان حزب المؤتمر الشعبي هو وحده الذي أراد توثيق انتهاكات الانتخابات، ولكنه انشغل بحك جلده. كما وعدنا بعض الاحزاب بالمسيرات المليونية، ولكنها في أقل من شهر تراجعت وشاركت في احتفال التنصيب. وذكرني وعيد وتهديد المعارضة في السابق، قولا للشاعر السوفييتي رسول حمزاتوف: «لا تخرج الخنجر من غمده دون الحاجة إليه.. ولكن إذا انتضيته فاضرب به. اضرب لكي تقتل الفارس والفرس بطعنة واحدة. ولكن.. قبل أن تشهر الخنجر ينبغي أن تعرف أن حده قاطع». وهذه وصية أقرب إلى مثل السواي والحداث.

وأتمني أن تتوقف المعارضة عن هذه الممارسات الحنجورية التي ما قتلت ذبابة، وألا تضاعف معاناة الجماهير والابتلاء بحكومة سيئة ومعارضة تفوقها سوءا. فقد حان الوقت للنقد الذاتي وضرورة مناقشة الهزيمة وليس النكسة.

فأنتم ستكونون ربع قرن خارج السلطة بعد السنوات الاربع القادمة، وأخشى أن تلحقوا بأحزاب مثل الوفد والاحرار الدستوريين في مصر. فالتحديات الراهنة لن تواجهها الاساليب العتيقة، والولاءات ليست سرمدية، فهي تتغير كما يتغير البشر الذين يحملونها. ونهر التاريخ لا يتوقف.

الحائر المهم، هو المجتمع المدني، خيمتنا الأخيرة، والتي تحولت إلى خيبتنا الاخيرة. فهو بدوره صمت بعد أن انتهى مولد المراقبة الانتخابية بغنائمه. ولم يقم بنشر نتائج مراقبته، ولم يقم بتحليل الانتخابات واستشراف المستقبل السياسي للسودان، ولم نسمع عن ندوات أو مؤتمرات لمناقشة ما حدث وما يمكن أن يحدث.

وهذا واجب كل منظمات المجتمع المدني، ولكن خلال فترة الانتخابات ظهرت نجوم نيّرة ملأت السماء، فهي مطالبة بإكمال نجوميتها في المرحلة الحالية، خاصة وهي تملك الامكانيات المادية والمعلومات. هذه مرحلة دقيقة للمجتمع المدني المعافي، لكي ينفي عن نفسه التهم والشبهات التي انطلقت بهدف شله، ويجب ألا تضيع الفرصة.

أما الحائر الذي ينكر حيرته العظمى، فهو النخبة الجنوبية. فهي تدعي أنها تعرف ما تريد وقد هيأت نفسها لكل الاحتمالات، ولكن أغلب عناصر النخبة الجنوبية هي ذات حناجر كبيرة أيضا. فهي تسبب كثيرا من الضوضاء عن الانفصال وكأنه نزهة.

أكرر أنني لا أقصد أن الجنوبيين غير مؤهلين لحكم أنفسهم، ولكن الواقع الجنوبي الراهن سوف يزيد الدول الفاشلة أخرى جديدة. ومن الضروري أن يناقش الجميع البدائل والامكانات لمستقبل الجنوب، بعيدا عن الغوغائية والابتزاز. ونحن بالتأكيد ضد أيّ «انتباهة» جنوبية تقف عكس التاريخ وضد السودان الجديد حقا.

كاتب وباحث سوداني

ssc_sudan@yahoo.com