منذ الشروع في إنشاء الكيان الإسرائيلي في المنطقة، قبل حوالي قرن من السنين، لم يمر على المنطقة يوم استبشر الناس فيه خيراً. جل الحروب والمعارك التي خاضها العرب ضد إسرائيل، كانوا فيها خاسرين.
السبب في ذلك يعود إلى التفوق الإسرائيلي الهائل في مجال السلاح والعتاد والخبرات الحربية والمعلومات العسكرية المتاحة. بُعيد حرب أكتوبر 1973 توصل العرب، ولو جزئياً، إلى قناعة مفادها استحالة الحل العسكري للمعضلة الشرق أوسطية، بالذات بعد توقيع مصر كأكبر قوة عربية جيو ـ ديمو ـ سياسية على اتفاقية سلام مع الكيان الإسرائيلي.
توالى هبوط شعبية الحل العسكري لدى بقية العرب، وفي مقدمتهم أصحاب الشأن المباشر بالقضية الفلسطينية. صمد الفلسطينيون كثيراً قبل أن تصل قيادتهم الرئيسية إلى قناعة استحالة الاستمرار في اللجوء إلى خيار ما عُرف بالكفاح المسلح. الذهاب إلى مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، أدى إلى إسقاط خيار البندقية والتوجه إلى خيار غصن الزيتون.
توالى الركون إلى الحل السلمي، ومحاولة مبادلة الأرض المحتلة بالسلام، إلى حصول اتفاقيتي سلام وبشكل ثنائي لكل منهما. في العام 1993 حصل توقيع على اتفاق أوسلو في واشنطن مع القيادة الفلسطينية، أعقبت ذلك في العام التالي اتفاقية وادي عربة جنوب البحر الميت مع الحكومة الأردنية.
نتيجة لذلك، آمن العرب باستراتيجية تجميد تسلحهم، أو حتى نزع ما لديهم من سلاح فعال. ذلك مقابل طموحات بتحقيق ما عجزوا عن تحقيقه في الحرب العسكرية أو المواجهات المفتوحة.
ومقابل تسريح جيوشهم ونزع أسلحتهم والاستغناء عن الكفاح المسلح، تلقى العرب وعوداً دولية، وبالذات غربية، براقة، وعوداً بتحسين مستوياتهم المادية والمعيشية والتعليمية، وحتى السياسية. في ذلك حاول العرب الاقتداء بما فعلته مصر حين استعادت إدارة شبه جزيرة سيناء المدنية، إلى جانب حصولها على دعم مالي أميركي.
لم يكن في حساب العرب أن الأوضاع في الضفة الغربية تختلف جذرياً وعميقاً عن الوضع في سيناء. هذا إضافةً إلى أن المواجهة مع مصر كدولة، تختلف عنها مع الفلسطينيين. الأخيرون ينقصهم بنيان دولة معترف بها دولياً وبشكل كامل، إضافةً إلى البعدين الديمغرافي المتشابك والعقائدي المتجه نحو التصعيد بشكل جذري وتلقائي. الأكثر تأزماً هو وجود أماكن تاريخية ومقدسة في مختلف مناطق الضفة الغربية المحتلة.
يحتاج العرب إلى قوة ردع عسكرية معتبَرة، تدعم كياناً سياسياً فاعلاً بكل معنى الكلمة، حقيقةً وواقعاً، وبشكل خاص ما ينقص السلطة الوطنية الفلسطينية المستفرَد بها إسرائيلياً، عسكرياً وسياسياً وأمنياً وثقافياً وديمغرافياً.
اللجوء إلى ثقافة التبرير يزيد الأمور استفحالاً. فكلما أُجبر الطرف الفلسطيني على تقديم تنازل في الاتجاه الجيو ـ سياسي ـ استراتيجي، سرعان ما تصدح الأبواق الدعائية بأن ذلك حدث بسبب ضعف البديل، العربي أو الإسلامي أو الدولي، أو حتى انعدامه. أعمال الاستيطان والعدوان على الشعب الفلسطيني بشرياً وجغرافياً وعقائدياً، لا يمكن أن تقاوم بتقديم التنازلات وتبريرها.
سياسة الأمر الواقع الإسرائيلية ما كانت لتمضي، لو كان هنالك الحد الأدنى من المقاومة بمختلف أشكالها، السياسية والمدنية والعسكرية. حقيقةً، إسرائيل ليست من القوة السياسية والعسكرية والمادية والمعنوية، كما بات يصورها حتى الإعلام العربي نفسه.
المطالبة بكامل الحقوق العربية في فلسطين، يجب أن تأخذ كافة الأبعاد الوطنية والسياسية والقانونية والإنسانية. من غير المعقول أن يستمر العرب في التهاون والضياع والانصياع والاستسلام، في الوقت الذي تستمر إسرائيل في «التألق والتعملق» كما لو كانت المنطقة متجهة نحو عهد سيادة العصر الإسرائيلي.
بسبب سياسة، بل ظاهرة الإبقاء على الرؤوس في الرمال، فإن إسرائيل تحقق طموحاتها الاستراتيجية في كل اتجاه وكل باب تطرقه. هذا في الوقت الذي يجاهد العرب للحصول على رغيف العيش من موائد اتفاقيات سلام بائسة المضمون والمحتوى والنتائج.
جامعة الإمارات
Nasrin@uaeu.ac.ae