في حفلها السنوي الذي أقيم الأسبوع الماضي، سنت الإدارة العامة للإقامة وشؤون الأجانب في دبي، سنة حسنة نتمنى أن تعمل بها وتسير على نهجها كل مؤسسات الدولة، فالإدارة وفي خطوة راقية، كرمت كعادتها السنوية موظفيها المجيدين المبدعين.
وأعربت عن تقديرها لأصحاب المبادرات الطموحة، والمشروعات الريادية، وهذه خطوة مهمة تساهم في شحذ الهمم، وترفع معدلات الرضا الوظيفي، على أن الأهم من هذه الخطوة، هو أن الإدارة كرمت أيضاً الرعيل الأول من موظفيها، ممن تقلدوا مختلف الوظائف فيها منذ تأسيسها عام 1971.
والحق أن إدارة الإقامة بهذه المبادرة، تخرج عن المألوف والشائع، وتغرد خارج السرب، وتتمرد على عادة «نسف القديم»، التي دأبت مؤسسات عليها، فحطمت جسور التواصل بين الماضي والحاضر، ونسبت أي فضل وكل نجاح لها، وبررت أي فشل وكل إخفاق لممارسات الإدارات السابقة، وتركة (العهد البائد).
وما من شك في أن آفة تحطيم كل ما أسسه السابقون، تعد واحدةً من أسوء الآفات التي يتسم بها معظم المسؤولين في عالمنا العربي، فكم من خطط تنموية أنفقت عليها الملايين، ضاعت هباءً منثوراً لمجرد أن تم تغيير وزير أو مسؤول كبير، فجاء الجديد ليبدأ من نقطة الصفر، وليعلن أن كل ما فات كان من قبيل العبث غير المجدي.
وحتى لا نخرج عن موضوعنا، فإن الإنصاف يقتضي منا أن نؤكد أن الإدارة العامة للإقامة، قد حققت خلال السنوات الثلاث الماضية، وتحديداً منذ أن تسلم اللواء محمد أحمد المري دفة قيادتها، الكثير من الإنجازات، منها بطبيعة الحال رفع معدلات التوطين، واعتماد الآليات التي تكفل سرعة إنجاز المعاملات.
بالإضافة إلى تغيير ثقافة الموظف، وغرس فكرة أن دوره الأهم يتمثل في تحقيق أعلى معدلات خدمة العملاء عبر أدائه، وهذا في تقديري أبرز وأهم تغيير، فالعنصر البشري يعد حجر الأساس في تحقيق أي رقي منشود.
وبالعودة إلى أجواء الحفل، فقد أكد اللواء المري في كلمته أن نجاح الإدارة، لا يعود إلى الثورة الإدارية التي قام بها، ولا إلى الخطوات السديدة التي اتخذها، ولا إلى الجهود الجبارة التي بذلها، وإنما إلى الكوادر الشابة المواطنة المخلصة، التي تبذل الجهد بحب ودونما انتظار المقابل، فهؤلاء هم الوقود الحقيقي الذي ساهم في دفع قاطرة الإنجاز.
كما حرص «بو أحمد» على التأكيد أن هؤلاء الشباب، سيجدون ذات يوم فرصتهم كاملة لتولي المسؤولية، فالكرسي ليس مسجلاً باسم أحد، والمعيار المهم والأول، هو معيار الكفاءة والإخلاص، وهو بذلك يضرب مثلاً آخر في إنكار الذات، ورد الفضل إلى أصحابه.
والملاحظ في علاقة مدير الإدارة بموظفيه، أنه يعرفهم بالاسم فرداً فرداً، إلى درجة أني دهشت حينما سمعته ينادي إحدى المنقبات باسمها، فسألته: كيف تسنى لك التعرف عليها من خلف نقابها؟ فأجاب: في الإدارة أربع منقبات، وهن من الموظفات المتميزات، ولذلك لا أجد صعوبة في التعرف عليهن.
كما تحدث اللواء المري عن أهمية العنصر النسائي في الإدارة، ودور الموظفات الكبير في تطوير العمل ورفع معدلات رضا العملاء، مؤكداً أنه يرفض فكرة التقييم الوظيفي حسب الجنس، وإنما ينحاز إلى أن يكون التقييم حسب العطاء والإنتاج.
وما لا يعرفه الكثيرون، أن إدارة الجنسية، وبعيداً عن أجواء العمل، قد اهتمت بترسيخ ثقافة الأسرة الواحدة بين موظفيها، فأبواب كبار المسؤولين ليست موصدة أمام صغار الموظفين، وهناك دائمة مساحة للرأي والرأي الآخر، وبوسع أي موظف، أن يتقدم لرؤسائه بما يراه مناسباً من مقترحات، تسهم من وجهة نظره في تحسين الأداء... والأهم من ذلك أن كل اقتراح سيلقى حظه من البحث والدراسة، فالمبدأ السائد والمتفق عليه هو أن لا أحد يحتكر الصواب وحده.
إن المثل الذي تضربه إدارة الإقامة، بقدر ما يشيع الفخر في نفوسنا بنجاح هذه المؤسسة المستنيرة، يشيع أيضاً الأسى والحزن، على مؤسسات أخرى يشعر موظفوها بأنهم على الهامش لا قيمة لهم، وبأن طموحاتهم لخدمة وطنهم تصطدم دائماً بباب المدير الموصد في وجوههم.. المدير الذي لا يرونه إلا في وسائل الإعلام، حينما يتحدث عن إنجازاته.
