إن مشروع إمداد ولايات المنطقة الداخلية بالمياه الصالحة للشرب من محطة تحلية مياه بركاء والذي رعى احتفالية افتتاحه صاحب السمو السيد أسعد بن طارق بن تيمور آل سعيد بولاية سمائل أمس، ليعد من المشاريع المهمة على صعيد الجهود الحثيثة التي تبذلها حكومة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ من أجل توفير الخدمات الأساسية للمواطن أينما كان وأينما حل، ويعد خطوة كبرى على طريق ربط محافظات ومناطق السلطنة بشبكات المياه كما هو حال الربط الكهربائي باعتبارهما مجالين حيويين لا غنى للإنسان عنهما، ولا تستقيم الحياة المعاصرة إلا بهما.
ولا ريب أن نجاح الحكومة في ربط جميع أنحاء السلطنة بشبكات الكهرباء والمياه ستكون له انعكاساته الإيجابية في سبيل التغلب على الانقطاعات المتكررة، وتخفيف الضغط الحاصل على محطات التوليد وخاصة في فصل الصيف، كما أن نجاح ربط السلطنة بشبكات المياه سيعمل على التغلب على شح المياه الناشئ عن قلة الأمطار، حيث كان لشح المياه أثره الكبير على الزراعات ما أدى إلى موت الكثير من المزارع التي تعتمد في الري على الآبار الجوفية، وكنتيجة أيضًا لكثرة الاستنزاف الذي أدى إلى خفض مناسيب المياه بها، فمنها ما أصيب بالجفاف التام، ومنها ما أصيب بالملوحة.
بالإضافة إلى أن عددًا كبيرًا جدًّا من أشجار النخيل مات عطشًا بسبب نقصان المياه، سواء مياه الأمطار أو مياه الأفلاج والآبار والعيون. ناهيك عن المعاناة التي أخذ يكابدها السكان ممن تعرضوا لشح المياه والجفاف والذين أصبح لا همَّ لهم إلا توفير مقدار ما يعينهم على العيش ويقيهم الظمأ ويصنعون به الطعام، ومنهم من يحمل أوانيه إلى مناطق أخرى بحثًا عن ماء ليجلبه إلى أسرته.
إلا أن هذه المعاناة لم تكن بعيدة عن مرأى الحكومة التي لم تقبل أن تغمض عينيها عن رؤية ما يكابده المواطن، وأبت أن تدير ظهرها للمعاناة، بل أخذت على عاتقها المسؤولية الكاملة كما هو ديدنها منذ انطلاقة فجر النهضة المباركة على يد مفجر طاقاتها بكل حكمة واقتدار عاهل البلاد المفدى، حيث لا يزال صدى كلماته الأولى يتردد في الأرجاء وفي كل شبر من هذا الوطن الغالي "سوف أجعلكم تعيشون سعداء".
فهي لا تزال مصدر اطمئنان وثقة، وبرهانًا على أن الوعد يتم إنجازه، وأن بنيانه يعلو يومًا بعد يوم، فعملية وضع اللبنات لم تتوقف، ثمة حركة دؤوبة وعمل لا ينقطع وتصميم لا يوقفه يأس ولا تحبطه المثبطات، فكان الجميع على العهد سائرين.
ولا شك أن صدى هذا الوعد يملأ القرى والمدن والجبل والسهل والوديان والآذان، وبالتالي يحق لأهل المنطقة الداخلية وهم يرتوون بمنجزات هذا العهد الزاهر، أن يفخروا بهذا العطاء غير المنقطع، فيوميًّا ترسل إليهم محطة تحلية بركاء 25 مليون جالون من المياه، وخطوط نقل وتوزيع المياه بطول 288 كيلو مترًا، بتكلفة إجمالية بلغت 89 مليونًا و889 ألفًا و561 ريالًا عمانيًّا، إلى جانب مشاريع منها لا يزال قيد الإنشاء ومنها الآخر قيد الدراسة من أجل ضمان وصول قطرة الماء إلى كل منزل من خلال مشاريع التمديد لمنازل القرى والمدن التي لم تصلها بعد.
ومع كل الشكر للحكومة والتقدير على جهودها الجبارة التي تؤكد رعايتها وعنايتها وحرصها على راحة واستقرار ورخاء الإنسان العماني، فإن من الواجب على أولئك الذين انتفعوا بشبكات المياه أن ينظروا إليها على أنها نعمة والسرف فيها منافٍ لهدي ديننا، فالترشيد والتوسط في استهلاكها مسؤولية وطنية وأمر مطلوب.
