قد يصل «أسطول الحرية» ـ بعد أن تأجل ـ وفق البرنامج وقد لا يصل، والمسألة رهن إلى حد كبير بالنوايا والاجراءات الإسرائيلية المبيتة، غير أن «رياح السماء»، الاسم الذي اختارته الدولة الصهيونية لعملية القرصنة والاستيلاء على «أسطول الحرية» الآتي إلى غزة في مهمة إنسانية صرف، تتكاثف وتتلبد لأسر رياح الحرية.

أما الاسلحة والادوات المستخدمة في العملية فهي: مغاوير البحر (أفراد الصاعقة البحرية)، يساندهم أفراد وحدة (ميتسادا) التابعة لمصلحة السجون الإسرائيلية، وتنضم إليهم طواقم من وحدة «عوكيتس» (أي «لسعة») مع كلاب مدرّبة على اكتشاف المتفجرات، ويلتحق بهم كذلك جنود احتياط من الكوماندو البحري الإسرائيلي، والعملية كلها بقيادة الميجر جنرال اليعيزر ماروم قائد سلاح البحرية.

إنها عملية عسكرية حربية واسعة النطاق يشنها جيش كامل من مختلف الوحدات، للسطو على سفن مدنية واختطاف ركابها المدنيين الذين أعلنوا رسالتهم مبكرا على رؤوس الأشهاد: مهمة إنسانية من أجل غزة المحاصرة..

إنها عملية قرصنة صهيونية سافرة، تنفذ بالبث الحي والمباشر أمام الرأي العام العالمي بدوله وشعوبه ومنظمته الاممية..

هكذا هي الصورة، فلا يمكن للدولة الصهيونية أن تخرج من جلدها وعن طباعها التي اعتادت عليها منذ قيامها.. فهي دولة إرهاب وبلطجة وقرصنة وسطو مسلح في وضح النهار.

القرصنات الإسرائيلية في فلسطين مفتوحة وبلا حدود.. فكل ما يجري في فلسطين والمحيط البحري والجوي والبري على أيدي إسرائيل، هو قرصنة صارخة.. وقرصنتهم واسعة متصلة، لا تترك مجالا من مجالات الأرض والجو والبحر..

فهناك القرصنة المفتوحة على الأرض العربية، وهناك القرصنة المنهجية ضد المقدسات، وهناك القرصنة المستمرة على التراث والمعالم الحضارية، وحتى على المأكولات الشعبية الفلسطينية.. ومنذ بدايات المشروع الصهيوني، وقبل وخلال وبعد إقامة تلك الدولة وصولا إلى الراهن الإسرائيلي.

والقرصنات الإسرائيلية ترتقي إلى مستوى القرصنة الدولية وإرهاب الدولة، وهي الاشد خطراً والاسوأ ضرراً من أي قرصنة أخرى في العالم، لأنها تهدف إلى إبادة شعب والاجهاز على قضيته وحقوقه ووجوده.

وتصل القرصنة الإسرائيلية في هذه الايام ذروة جديدة سافرة، بقرار الاستيلاء على «أسطول الحرية» الذي يضم ثماني سفن لا تحمل سوى بعض المواد الانسانية والأدوية، إضافة إلى 800 شخص من بينهم 350 مواطناً تركياً، وعدد من الاوروبيين ومن مختلف بلدان العالم، ومن بين الركاب 35 نائباً.

وتكريسا لهذه القرصنة الإرهابية الإسرائيلية، أقيم معتقل من الخيام في ميناء اشدود ل»اعتقال المشاركين في الحملة«.

وحيث اننا أمام قرصنة بحرية صريحة سافرة، تتعارض مع المواثيق الدولية وترتقي إلى مستوى جريمة حرب، فلعلنا نستحضر هنا مرة أخرى تقرير غولدستون المثقل بجرائم الحرب الإسرائيلية في غزة، فالقرصنات الإسرائيلية الإرهابية المفتوحة تستدعي، إن كانت هناك مسؤولية دولية حقيقية، فتح تحقيقات «غولدستونية» جديدة..

لقد احتشد العالم كله بأممه المتحدة، ضد ما أطلقوا عليه «القرصنة الصومالية»، ووصل الاستنفار إلى مجلس الأمن الذي اتخذ قرارا بالإجماع، يسمح للدول المتضررة من القرصنة بالقيام «بعمليات عسكرية في الأراضي الصومالية».

تصوروا.. العالم والأمم المتحدة ومجلس الأمن، كلهم احتشدوا متناسين أن تلك الدولة بشعبها وأرضها ومقدراتها، هي التي تعرضت وتتعرض للقرصنات الاستعمارية الاحتلالية..! بل وأكثر من ذلك كان سالم صالح محمد، مستشار الرئيس اليمني اعلن أن «الأصابع الإسرائيلية وراء القرصنة في البحر الأحمر».

فلماذا يتناسى العالم القرصنة الأخطر والقرصان الصهيوني الأكبر؟!

من الغرابة والنفاق السافرين أن يقفز هذا العالم ويتجاهل على نحو سافر، القرصنة الصهيونية الإسرائيلية المنفلتة على مدار الساعة منذ اثنين وستين عاما، على الأقل، ضد الوطن العربي الفلسطيني المحتل، بشعبة وقياداته ومواطنيه ومقدراته وخيراته، ناهيكم عن الارهاب والجرائم الصهيونية المفتوحة..

فوقائع المشهد العربي في فلسطين، تبين أن دولة الاحتلال تواصل على مدار الساعة أعمال القرصنة الشاملة، التي كان من أبرزها وأخطرها ما ارتكبته إسرائيل يوم 24/5/2006 من قرصنة في حق الديمقراطية والمنجزات الانتخابية.

باختطافها أكثر من 43 نائبا من المجلس التشريعي الفلسطيني وثلاثة وزراء سابقين، في الضفة الغربية»، في الوقت الذي تواصل فيه قرصنتها وعدوانها على قطاع غزة من جهة، واجتياحاتها للمدن والمخيمات والقرى الفلسطينية على امتداد الضفة من جهة أخرى.

ربما نأمل أن تحرك عملية القرصنة على «أسطول الحرية» ضمائر من لم يتحركوا حتى الآن، وخاصة على المستوى الاممي..

فحينما تكون القرصنة الإسرائيلية سافرة في وضح النهار، فكيف يمكن للعالم والمجتمع الدولي أن ينام ويرتاح ويتجاهل كل هذه الحقائق الدامغة الموثقة حتى في القرارات الدولية؟ وكيف يمكن للعالم العربي من جهته أن يلتزم كل هذا الصمت وأن يكتفي بهذه الفرجة المذهلة على ما يجري في فلسطين؟!

ليس من المنتظر أن تتوقف دولة الاحتلال عن سياسات القرصنة وعن هذه الثقافة والمنهجية الهمجية، طالما بقي المجتمع الدولي على هذا النحو.. وطالما بقي العرب والمسلمون صامتين متفرجين إلى حد الشلل أو التواطؤ!

كاتب فلسطيني

nawafzaru@yahoo.com