في فرنسا يحتدم سجال، منذ أسابيع، حول واقع التحليل النفسي، شارك فيه مثقفون كبار وجرت تغطيته في كبريات الصحف والمجلات. هذا ما حدث بعد صدور كتاب الفيلسوف ميشال أونفراي «سقوط صنم»، وفيه يشن نقداً عنيفاً على التحليل النفسي ومؤسسه سيغموند فرويد، ملخصه أن فرويد رجل كاذب وأن علمه باطل. أثار الكتاب في وجه صاحبه ردود فعل عاصفة، على الساحة الفرنسية بالدرجة الأولى.
ذلك أن التحليل النفسي، وإن ولد في النمسا على يد فرويد، فإنه قد استوطن وترسخ أكثر ما يكون في فرنسا، حتى بات وكأنه صناعة فرنسية، ولذا عدّ بعض المحللين الفرنسيين كتاب أونفراي بمثابة شتيمة لهم، لأن الكتاب ينطوي على محاولة لتقويض أسس علمهم من جهة، والتشكيك بمشروعية مهنتهم في العلاج النفسي من جهة أخرى.
وأونفراي ليس أول من وجّه سهام النقد الى فرويد، فهناك آخرون سبقوه الى ذلك، وفي فرنسا بالذات، أبرزهم جان بول سارتر الذي لم يقتنع قط بنظرية «اللاوعي» التي هي حجر الزاوية في علم التحليل.
ثم جيل دولوز وفليكس غتاري اللذان استهدفا بالنقد «عقدة أوديب» الشهيرة التي هي مفهوم مركزي في منهج التحليل، كما في كتابهما المشترك «نقض أوديب». ولكن أونفراي تخطى من سبقه في الطعن والتجريح، إذ هو لم يقتصر في دعواه على نقض النظرية وإبطال العلم، بل أمعن تجريحاً وتهشيماً في حياة فرويد خلقاً ومسلكاً، هكذا مشككاً في مصداقيته كعالم ومشروعيته كمعالج.
ولكن المهمة ليست سهلة، فأونفراي تصدّى لواحد من معلمي الفكر الذين تركوا أثرهم القوي والواسع في الثقافة الإنسانية والعامة، ومن هنا احتل مكانته الراسخة ومارس سطوته القوية، على ما هو حال المؤسسين، الأمر الذي حوله إلى صنم عند الكثيرين من أتباعه والذين آمنوا بنظرياته كنصوص منزلة. ولكن كل صنم يجد من يحاول تحطيمه أو إنزاله عن عرشه.
ما الذي يأخذه أونفراي على فرويد حتى يقدم على تأليف كتابه؟ أبرز المآخذ أن فرويد حوّل حالته الشخصية، أي حبه لأمه وكرهه لأبيه، التي هي حالة فردية، وربما استثنائية، إلى نظرية علمية أراد تطبيقها على جميع الناس. هذا بالإضافة الى مآخذ أخرى كثيرة، علمية وخلقية.
فقد نظّم أونفراي بعقلية المحقق لائحة اتهامية طويلة ضد فرويد، إذ لم تبقَ نقيصة إلا وألصقها به، كالكذب، والغشّ، والطمع، والشعوذة، واختراع حكايات لا أصل لها، ومعاداة السامية، والتسبب في قتل أحد أصدقائه، فضلاً عن اتهامه بارتكاب زنى المحارم.
بالطبع جاءت الردود سريعة، سيما من جانب من يعنيهم الأمر الذين ردوا الصاع صاعين، بقولهم إن محاولة أونفراي «لا تثبت شيئاً سوى كونها تتسم بالسطحية والاختزال والتهافت والسخافة».
وهكذا فاتهام الغير بالتهافت يقتضي الرد عليه بمنطقه. ولكن لا شيء يتهافت أكثر من التعامل بمنطق الإلغاء والتهافت مع الأعمال الفكرية التي تتسم بالأصالة والجدة. هذا ما تشهد به المثالات التاريخية. فكلام الغزالي على تهافت الفلاسفة هو الذي تهافت، إذ ما زلنا نرجع إليهم ونقرأ أعمالهم.
كذلك الأمر بالنسبة إلى نيتشه الذي يسير أونفراي على خطاه في حمل معول الهدم والتحطيم للأصنام. فنيتشه لم يترك فيلسوفا إلا وحاول إنزاله عن عرشه وتحطيم صورته، من أفلاطون إلى كنط وهيغل. ومع ذلك فنحن نعود إلى هؤلاء، لكي نقرأ عندهم ما لم يقرأه نيتشه، كما نعود إلى أعماله بالذات.
من هذا المنطلق أدخل على كتاب أونفراي، معلقاً في مسائل ثلاث: الأولى أن التهم الأخلاقية، ولو كبيرة أو شنيعة، لا تطعن في المصداقية العلمية لصاحبها. فالعلماء والفلاسفة لا يعيشون في ممالك للفضيلة ولو تحدثوا عن الفضائل ونظّروا لها، وإنما هم كبقية الناس لهم شرورهم ورذائلهم، وهذا لا يقدح في نظرياتهم العلمية.
الثانية تتعلق بمعرفة النفس. بالطبع لقد تحدث الفلاسفة والحكماء منذ القدم عن النفس بخفاياها وتعقيداتها وألغازها، ولكن مع فرويد تحولت حياتنا السرية الباطنة إلى حقل معرفي أنتجت حوله مفاهيم واستحدثت مناهج في الدرس والتحليل، شكلت إضاءات كاشفة وخارقة حول وجهنا الآخر المجهول والخفي أو الصامت.
ولكن الذي يقاوم ويستعصي على القبض، أو الذي يلعب من وراء الذات الواعية، أو الذي يراوغ لكي يتسرب الى حياتنا من حيث لا ندري، أو الذي يفاجئنا ويقودنا الى حيث لا نريد، أي الذي يكون مصدر زلاتنا وفضائحنا، أو منبع توترنا أو عصابنا أو جنوننا كما في الحالات القصوى.
هذا الحقل، الذي يشكّل إنجاز فرويد، هو الذي فعل فعله في العقول والنفوس، وشكّل مصدراً لولادة تيارات ومدارس أو مؤسسات في الأدب والرواية والفن، وفي غير ميدان أو نشاط، ولا يعقل أن يكون الأمر سدى.
ولذا فهو يستقل عن فرويد ويبقى كإنجاز لا رجوع عنه. أما ما عدا ذلك فإنه قابل لان يستهلك ويفقد مصداقيته، بقدر ما يبقى قيد المراجعة، أو يتم الرجوع عنه بعد اكتشاف ضعفه أو خطئه أو زيفه.
المسألة الثالثة تتعلق بالمعالجة.
وأنا لست مع معالجة المرض النفسي بالأدوية والعقاقير، كما يدعو إلى ذلك أصحاب المدرسة الإدراكية والعلوم العصبية، لأني لا أنظر إلى الإنسان بوصفه مجرد تركيب كيميائي أو نظام بيولوجي أو جهاز عصبي. نعم إن الإنسان كائن طبيعي، ولكن علاقته بطبيعته وجسده مركبة؛ نفسية، اجتماعية، ثقافية.
من هنا جدوى العلاج النفسي لحالات التوتر والاضطراب. وهذا ما أدركه القدامى كابن حزم، الذي اعتبر أن من يقع في الحب، يحتاج إلى من يفضي إليه بأسراره ويحدثه عن محنته لإفراغ شحنته، حتى لا يقع ضحية عشقه. ولكن مع فرويد تحولت هذه المعالجات البدائية إلى ميدان طبي، له مناهجه وتقنياته ووسائله وربما طقوسه وتقاليده.
هنا أيضاً يمكن تخطي فرويد والخروج عليه، فإذا كان العلاج بالعقاقير غير كافٍ، بل يختزل كينونة الشخص، فإن العلاج النفسي هو أيضاً غير كافٍ، بل وحيد الجانب. فالإنسان هو كائن اجتماعي، ولذا فهو يسعى دوماً إلى أن يكون محل الاعتراف والتقدير، من جانب بيئته ومحيطه ومجتمعه وأهل مهنته.. وهذا مفتاح من مفاتيح العلاج غاب عن أذهان بعض المحللين.
أختم بالقول، لا أتعامل مع أونفراي كما تعامل هو مع فرويد، فليس كل ما جاء في كتابه مردوداً أو مغلوطاً أو مغرضاً. يبقى فيه ما يتعدى الكلام على كذب فرويد وبطلان علمه، وهو أنه فتح النقاش واسعاً في الأوساط الفكرية، الغربية والعالمية، حول أزمة ميدان معرفي بات محتاجاً إلى الإصلاح والتطوير، لتحريره من لغته المستهلكة أو أصنامه النظرية أو شعوذاته العلاجية.
كاتب ومفكر لبناني
harb@cyberia.net.lb
