بعد مرور عام على إطلاق عام الهوية الوطنية، الذي جاء عام 2008 بمبادرة سامية من صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، لا بد لنا من وقفة للبحث في نتائج ما تم في هذه الفترة من تعزيز وتأصيل لثقافة ومفهوم الهوية الوطنية ـ وهل ما زلنا نواكب هذه الدعوة الكريمة؟
كثيرون اختلفوا في تعريف الثقافة، فهناك من يعتبر حامل الشهادة والمتعلم هو المثقف، ولكن هذا جانب معرفي. وهناك من يرى أن المثقف هو الذي يقرأ ويكتب، وهذا جانب تعليمي. أما من يتابع وسائل الإعلام فقد يقال عنه إنه مثقف، وهذه ثقافة إعلامية عامة وبحسب الجانب الذي يهتم به.
ولكن ثقافة الهوية الوطنية أشمل وأعم من ذلك، ومفهومها مكتسب ومغروس لدى الذين يعلمون أن الهوية ليست شعارا أو امتيازا، بل هي الحفاظ على كل ما تم اكتسابه من تاريخ وموروث تناقلته الأجيال على مر السنين ممن عاشوا في أحقاب سابقة، لمن يعيشون الآن ويواجهون خطر التغريب والتحريف والغزو الفكري الذي ينخر في أجساد الصغار والكبار ببطء، ودون الشعور بما بدأنا نفقده ولا نهتم بالعودة إليه.
أساس الهوية الوطنية هو الإيمان بالولاء والانتماء للأرض التي عاش عليها الأجداد والآباء وتتعاقب عليها الأجيال بعدهم، وتشمل تاريخ وجودك في المنطقة ومن عاشوا من حولك، وما تأثرت به من العادات والتقاليد، سواء الإسلامية أو العربية أو الموروثات المحلية التي تكسب كل مجموعة صفة وهوية معينة تميزهم عن غيرهم.
قد تكون في اللغة واللهجة وطقوس الزواج واستقبال المولود والوفاة، وأغلب أمور الحياة التي يمر بها الإنسان، فتصبح مع الأيام عرفاً غير مكتوب ودستوراً قد يلجأ إليه عند الحاجة.
ولا ننسى أن المكتسبات والتراكمات تصبح مع الأيام عادات وتقاليد يتربى عليها الفرد في الأسرة والمجتمع، وقد يشوبها بعض التغير الجيد، وقد يكون تغيرا دخيلا غير مرغوب فيه ويحارب بما يكفل استقرار الهوية الوطنية. وطبيعي عندما نشعر بقوة الرياح أن نتصدى لها إذا كانت قوية، حتى لا تأكل الأخضر واليابس وتتحول مع الأيام إلى إعصار مدمر.
وبعد الانفتاح ودخول عصر التكنولوجيا والعولمة، بدأ العديد من العادات والمكتسبات الدخيلة يأخذ دوره في المجتمع. ولا ننكر أهمية هذا العصر، ولكن الخطر بدأ يزداد يوماً بعد يوم، وأخذت ملامحه تتضح على الأطفال والشباب، نصف مجتمع الآن ومستقبل القادم كله.
ولا ننكر الجهود المبذولة من قبل العديد من الجهات الرسمية وغير الرسمية، ولكن ما يتعرض له هذا الجيل من تغريب، بدأ بالدخول في مجال اللغة العربية واللهجة المحلية، ووصل الآن إلى ضعف الهوية وعدم معرفة إلى ماذا ينتمي الطفل؛ هل ينتمي إلى الجد والجدة المحافظين؟ أم إلى الأب والأم المنفتحين؟ أم إلى المجتمع ذي الثقافات التي جاءت من كافة أصقاع الدنيا لتعيش بكل معتقداتها وسط مجتمع محافظ ومتحول في نفس الوقت؟!
بدأت الصبغة الوطنية تتلاشى تدريجاً مع انتقال الأسر إلى مناطق جديدة، والاعتماد على مربيات بدأ تأثيرهن يتضح على الأطفال، في اللغة والعادات واكتساب مفاهيم غريبة.
وعزز من ذلك دخولهم المدارس الأجنبية التي كونت لديهم ثقافة أغلبها لا يمت بصلة للمحلية، وأغلبهم الآن يكاد لا يعرف شيئاً عن تاريخ الإمارات، وأحياناً لا يحفظ أسماء الإمارات السبع ولا يعرف حكامها الحاليين، وبعد سنوات قد لا يعرف من هو مؤسس وباني اتحاد الإمارات!
لقد قمت بالتواصل مع مجموعة من أبناء الإمارات، وطرحت عليهم عدة أسئلة حتى أعزز هذا المقال، فاتضح لي أنهم لا يعرفون شيئا عن الحملات البرتغالية بقيادة الفونسو دي البوكيرك على منطقة خورفكان عام 1570م، والتي أحرق فيها أهالي المنطقة خلال ثلاثة أيام.
ولم يعرفوا عن براعة الملاح العربي ابن جلفار أحمد بن ماجد الذي اكتشف العديد من الاكتشافات البحرية ولم تكن له علاقة بحملات فاسكو دي غاما، ولم تكن لدى أغلبهم فكرة عن الأفلاج وأين تقع ومن قام بحفرها، علماً بأنها معروفة من أيام النبي داوود وابنه سليمان عليهما السلام.
الموضوع خطير، وكثيرون لا يشعرون به، ونحن نمر بمراحل انتقالية سريعة فقدنا خلالها الكثير وضعفت خلالها مبادئ الانتماء والولاء، والضحية هم أبناؤنا الذين لا يعرفون معنى تحية العلم.
أو لم إذا تأسس الاتحاد، وليست لديهم أية مشاعر تجاه أبناء المناطق الأخرى إلا في محيطهم.. والأيام تمر وسوف تصبح عادة تمحي ما تعودنا عليه سابقاً، ما لم نبادر إلى مواجهة ذلك بوعي وجدية.
كاتبة إماراتية
f_alsari@hotmail.com