إنها ليست مزحة ولا دعابة، وهي دعوة ليس القصد منها الإثارة على طريقة «خالف تعرف» التي أصبحت وسيلة للفت الأنظار واستقطاب الأضواء، لأنها آتية من منطلق الدور الذي تقوم به المدارس الخاصة في ظل الواقع الذي تعيشه دولتنا.
ومستوى مخرجات التعليم التي يتحدث الجميع عنها، واستراتيجية الدولة التي تسعى إلى الحفاظ على الهوية الوطنية التي تشكل اللغة واحدا من أعمدتها الأساسية، إلى جانب العادات والتقاليد المستمدة من التراث الديني والحضاري والإنساني، الذي يصوغ هذه الهوية ويحدد معالمها.
لقد قامت دولة الإمارات منذ تأسيسها بواجبها كاملا نحو التعليم، فتسلمت المدارس التي كانت قائمة وقتها بجهودٍ من الحكومات المحلية ومبادراتٍ من بعض الدول الشقيقة، وأنشأت مدارس جديدة هيأت لها كل عوامل النجاح كي تقوم بواجبها نحو تأسيس جيل متعلم ينهض بالمهام التي ستناط به بعد تجاوز مرحلة البدايات التي لا يختلف اثنان على أنها أصعب المراحل، لا سيما مرحلة تأسيس الدول.
خاصة عندما يكون سقف الطموح عاليا بحجم الحلم الذي كان مؤسسو الإمارات الأوائل يخططون لتحويله إلى واقع، متخذين من التعليم وسيلة، ليس لتحقيق الحلم فقط، وإنما للمحافظة عليه وضمان استمراره.
لقد قام المؤسسون بدورهم كاملا، فنشروا المدارس في كل أرجاء الدولة، وأنشأوا الجامعات التي يكمل فيها الطلبة تعليمهم العالي، ولم يترددوا في إرسال بعضهم إلى الخارج عندما دعت الحاجة إلى ذلك، فنجحوا في إنشاء جيل من المتعلمين استلم منهم الأمانة.
وكان دليل هذا النجاح أن أغلب من يتولى قيادة الدولة الآن، هم من مخرجات نظام التعليم الحكومي الذي لم يبدأ التذمر منه وتفضيل التعليم الخاص عليه إلا بعد الطفرة المادية التي قلبت الموازين، وبدلت المقاييس، وجعلتنا نزن أي خدمة نتلقاها بمقدار ما ندفع فيها من أموال، دون النظر إلى جودة هذه الخدمة ومدى توافقها مع المعايير التي ينبغي أن نبني عليها مجتمعنا ونحافظ على هويته..
فمن ذا الذي أدخل في روعنا أن التعليم الخاص أفضل من التعليم الحكومي.. وعلى أي أساس بنى هذا الحكم.. وهل صحيح أنه كلما زادت رسوم المدرسة الخاصة ارتفع أداؤها؟
لعل تقرير الرقابة المدرسية الذي تصدره هيئة المعرفة والتنمية البشرية في دبي منذ عامين، يظل هو المصدر الوحيد حتى الآن للإجابة على هذه الأسئلة، وهو التقرير نفسه الذي استشهد به مستشار وزير التربية والتعليم ومدير لجنة التعليم الخاص التي شكلتها الوزارة مؤخرا، عندما قال إن أداء المدارس التعليمي ليس مرتبطا بالضرورة بحجم الرسوم التي تتقاضاها المدرسة، معتبرا أن آلية الإدارة هي الأساس.
إن من يقرأ تقرير الرقابة المدرسية للعام الدراسي 2009 ـ 2010 الذي نشرته الهيئة، يجد وضعا فريدا لواقع التعليم في دولتنا، لا نعتقد أن له شبيها في دولة أخرى من دول العالم المتحضر ولا المتخلف.
فمن بين 209 مدارس حكومية وخاصة في إمارة دبي التي تقع ضمن نطاق إشراف الهيئة، توزعت المدارس على النحو التالي: 78 مدرسة حكومية تطبق منهاج وزارة التربية والتعليم، 49 مدرسة خاصة تطبق المنهاج البريطاني، 30 مدرسة خاصة تطبق المنهاج الأميركي.
20 مدرسة خاصة تطبق المنهاج الهندي، 15 مدرسة خاصة تطبق منهاج وزارة التربية والتعليم، 4 مدارس خاصة تطبق المنهاج الفرنسي، 3 مدارس خاصة تطبق المنهاج الباكستاني الوطني، 6 مدارس خاصة تطبق منهاج البكالوريا الدولية، والمدارس الأربع الباقية تتوزع المنهاج التعليمي الألماني والياباني والروسي والفلبيني!
خلطة عجيبة من المناهج في إمارة واحدة من إمارات الدولة، كان من المفترض أن ينتج عنها أداء تعليمي متميز تغذيه المنافسة بينها، هكذا يقول المنطق، لكن الواقع الذي كشفه تقرير الهيئة يقول إنه من مجموع هذه المدارس.
لم تحقق أداءً تعليميا متميزا سوى 3 مدارس حكومية ومدرستين خاصتين فقط! ومن بين 78 مدرسة حكومية حققت 30 مدرسة أداءً جيدا، و37 مدرسة أداءً مقبولا، و8 مدارس أداءً غير مقبول.
أما المدارس الخاصة التي بلغ عددها 131 مدرسة، فقد حققت 43 مدرسة منها أداءً جيدا، و69 مدرسة أداءً مقبولا، و17 مدرسة أداءً غير مقبول.
نتيجة صادمة ومحبطة بكل المقاييس، يزيدها سوءاً بعض الحقائق الأخرى التي تضمنها التقرير، مثل إشارته إلى أن تسعاً من كل عشر مدارس تقريبا في إمارة دبي، تقدم خدمات تعليم بمستوى جودة «مقبول»، وأكثر من 10% من المدارس الخاصة في دبي كان أداؤها العام بمستوى جودة «غير مقبول».
ولم تتمكن أي من المدارس الخاصة التي تطبق منهاج وزارة التربية والتعليم من تحقيق مستوى أداء «جيد»، وثلث المدارس التي تقدم أداءً عاما بمستوى جودة «غير مقبول» هي مدارس حكومية، والثلثان الباقيان هي مدارس خاصة.
و17 مدرسة خاصة انخفضت جودة أدائها العام لأسباب أهمها عدم توفير هذه المدارس لجميع متطلبات التعليم والتعلم في مادتي التربية الإسلامية واللغة العربية، حيث إنه يتم تدريس الطلبة هاتين المادتين الأساسيتين بجودة أقل من مستوى جودة التدريس في بقية المواد الدراسية!
لهذه الأسباب كلها، وكي لا تستمر الكذبة التي صدقناها وتكبر، ولأن هذه المدارس تلعب دورا رئيسا في تهميش لغتنا العربية التي لم يعد يستخدمها طلابها، وتسهم في طمس الهوية الوطنية لدى هؤلاء الطلاب الذين لا يعرف أغلبهم حتى عدد إمارات الدولة ولا أسماءها ولا تاريخها، ناهيك عن طمسها للهوية العربية فيهم.
ولأن ما تقدمه لنا هذه المدارس من تعليم لا يكافئ ما ندفعه لها من أموال، فإننا ندعو إلى إعادة النظر في التعليم الخاص، بل وإلغائه إذا ثبت ضرره وعدم جدواه.
كما ندعو إلى إعادة الاعتبار إلى التعليم الحكومي، لأنه الأقدر على حفظ هوية الوطن إذا أُحسِن توجيهه وإدارته. فالتعليم قضية سيادية لا تقل أهمية عن الأمن، ومن يفرِّط في تعليمه ويضعه في أيد غريبة، يفرِّط في أمنه وسيادته، بل وفي ماضي وطنه وحاضره ومستقبله.
كاتب إماراتي
aliobaid4000@yahoo.com
