بالرغم من التراجع الكبير في صورة «إسرائيل» في المجتمع الدولي، بما في ذلك داخل دول الغرب الأوروبي وحتى داخل قطاعات المجتمع الأميركي، وخصوصاً بعد الحرب الوحشية التي شنت قبل عام ونيف على قطاع غزة، بالرغم من ذلك استطاعت «إسرائيل» أن تعبر باتجاه تثبيت عضويتها في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية المعروفة اختصاراً باسم ال(OECD)، وهي منظمة دولية تضم الدول الأكثر ثراء في العالم (نادي نخبة الاقتصاديات).
وجاء انضمام «إسرائيل» بعد محاولات طويلة بذلتها الدولة العبرية طوال خمسة عشر عاماً للانضمام لهذه المنظمة، وذلك سعياً وراء المكاسب الاقتصادية والسياسية من وراء انضمامها لها.
وبقبول إسرائيل عضواً فيها، باتت عضوية منظمة التعاون تساوي ال(32) دولة من الدول الصناعية الكبرى في العالم. ويذكر أن قرار انضمام «إسرائيل» لمنظمة التعاون ووجه بتحفظات من بعض الدول الأوروبية مثل ايرلندا والنرويج والسويد، احتجاجاً على مواصلة «إسرائيل» احتلال الأراضي الفلسطينية والعربية منذ العام 1967، ومطالبتها بوضع شروط لقبول عضويتها مثل الاعتراف ب«إسرائيل» كدولة في حدود العام 1967 فقط.
وكان من المنطقي والطبيعي أن يواجه قرار منظمة OECD برفض وإدانة فلسطينية على كل المستويات، كما تحفظ عليه العديد من الهيئات والمؤسسات الدولية خصوصاً منها المؤسسات الناشطة في مجال حقوق الإنسان.
بل وتظاهر المئات من النشطاء الأوروبيين والمتضامنين مع الشعب الفلسطيني أمام مقر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في باريس احتجاجاً على قرار المنظمة ضم إسرائيل إلى عضويتها، باعتبار أن قرار المنظمة بقبول عضوية «إسرائيل» فيها، يتعارض مع حقوق الإنسان والقانون الدولي، وينتهك حتى مبادئ مؤسسي منظمة التعاون، ويقدم لإسرائيل هدية على جرائمها التي دانها المجتمع الدولي، بما في ذلك التقارير الرسمية التي صدرت ومنها تقرير غولدستون.
ومن هنا، إن موافقة منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية على انضمام إسرائيل إليها «أمر يناقض تماماً الأساس» الذي قامت عليه المنظمة وشروط العضوية فيها، وخرق لقوانين المنظمة حينما يتم قبول دول تقوم باحتلال شعب آخر واستعباده».
«فإسرائيل» لا تفي بالشروط التي وضعتها المنظمة لقبول الدول في عضويتها وعلى رأسها أن يكون نظامها «ديمقراطية تعددية تحفظ سلطة القانون وحقوق الإنسان»، وقبول دولة إسرائيل عضواً في منظمة التعاون الاقتصادي سيعزز من ممارساتها المناقضة لحقوق الإنسان والمتعارضة مع كافة القوانين والأعراف الدولية.
وفي هذا السياق، تدرك غالبية الدول الأعضاء في منظمة التعاون OECD أن الاحصاءات التي قدمتها «إسرائيل» عن اقتصادها لمنظمة التعاون من أجل انضمامها إليها شملت الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة بما فيها الجولان السوري.
فهناك جزء كبير من النشاط الاقتصادي الإسرائيلي هو غير شرعي وغير قانوني، حيث تستثمر «إسرائيل» وتستغل الموارد الطبيعية والبشرية هناك.
وبالتأكيد فان عملية انضمام إسرائيل لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية لم يكن ليأتي دون دعم وإسناد من قبل مواقع التأثير في قرارات الهيئات الدولية، وتحديداً من قبل الولايات المتحدة الأميركية، وهو ما أفصح عنه الأمين العام لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية باعترافه بأن أسباباً سياسية وقفت وراء قرار المنظمة بضم إسرائيل إلى عضويتها.
فالولايات المتحدة ترى ب«انضمام إسرائيل» لمنظمة التعاون «أهمية استراتيجية» لأنه يعطيها ويمنحها (أي لاسرائيل) مكاسب اقتصادية كبيرة ومؤثرة، حيث سيسمح ذلك باستثمار ستة مليارات دولار في سوق الأوراق المالية (البورصة) في تل أبيب وهو أمر يخفف من الأعباء المالية والاقتصادية المقدمة من الولايات المتحدة «لإسرائيل» في سياق التعهدات الأميركية بتوفير الدعم المالي والاقتصادي «لإسرائيل» وفق التفاهمات المشتركة.
كما يشكل بالنسبة لإسرائيل «نجاحاً تاريخياً بالنظر إلى انه يمنح شرعية لإسرائيل كدولة متقدمة (اقتصاديا) وذات خبرة». وعليه، إن الولايات المتحدة التي دفعت باتجاه قبول إسرائيل في منظمة التعاون الاقتصادي أرادت فك أصابع العزلة الدولية الخانقة على إسرائيل بعد عدوانها الأخير على قطاع غزة.
كما أرادت منحها جرعات متتالية من الحضور الدولي لتغيير صورتها باعتبارها مازالت ذلك العضو الصالح في الأسرة الدولية، في ظل الاستياء المتزايد من سياساتها تجاه الفلسطينيين وتجاه عملية التسوية المأزومة أصلاً نتيجة استمرار عمليات التهويد ورفض إسرائيل الاستجابة لاستحقاقات الشرعية الدولية ومتطلبات السلام العادل.
كاتب فلسطيني
bdwan60@aloola.sy