كأن الشرق الأوسط لا تكفيه أزماته المستعصية، والتي استقرت في المشهد الجيو سياسي في المنطقة من الملف الإيراني إلى الملف العراقي إلى القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي حتى تظهر بوادر أزمة مركبة ومتداخلة ومترابطة وشديدة التعقيد: أزمة بدأت ملامحها في التكون في منطقة التماس العربي الإفريقي: أزمة النيل أو صدام دولة المصب «مصر» ودولة الممر «السودان» ودول المنبع السبع، وهي تنزانيا وأوغندا ورواندا وإثيوبيا وكينيا والكونغو وبوروندي، وأزمة مستقبل السودان كدولة موحدة مع احتمال حصول الطلاق الجنوبي مع الاستفتاء المنتظر قيامه في شهر يناير المقبل.

بعد عشر سنوات تقريبا من المفاوضات انتهت في فشل الجولة الثالثة في منتصف ابريل في شرم الشيخ قررت دول المنبع توقيع اتفاق إطاري جديد لتوزيع مياه النيل متراجعة بذلك عن الاتفاقيتين اللتين نظمتا مسألة مياه النيل (اتفاقيتي 1959،1929) قررتا ذلك بشكل أحادي رغم المعارضة الشديدة من مصر والسودان مع التذكير أن 95% من المياه التي تستقلها مصر مصدرها النيل.

من جهة مصر تقول إن القوانين التي تنظم الأنهار الدولية لا تسمح بأي تعديل أحادي للاتفاقيات المتعلقة بهذه الأنهر، وتدعو للحوار والتوصل إلى تفاهم وتستند في موقفها إلى القانون الدولي بشكل خاص فيما ترفض دول المنبع ذلك الأمر وتهاجم ما تسميه اتفاقيات «استعمارية» وتقول انه لا يمكن الرجوع إلى الوراء.

هنالك جملة من العوامل والعناصر التي صنعت هذه الأزمة ولو أن البعض هنا وهناك قد يبرز كليا عنصرا على حساب العناصر الأخرى: أول هذه العناصر تراجع الاهتمام المصري .

وبالتالي ثقل الدور المصري في القارة الإفريقية بعد أن بلغ أوجه في الستينات مع المد الناصري واستمر في السبعينات. تراجع الاهتمام المصري في نهاية السبعينات وإعادة صياغة الأولويات المصرية الدولية افقد مصر الكثير من أوراقها الإفريقية وأدى إلى خسارة هذه العلاقات لخصوصياتها وحرارتها.

ثاني هذه العناصر التحولات الاستراتيجية والعقائدية على الصعيدين الدولي والإقليمي التي حصلت بعد انتهاء مرحلة الاستعمار والنضال الوطني للتحرر وقيام الدولة الإفريقية المستقلة وتراجع وسقوط الإيديولوجيات العالمثالثية التي ساهمت في تعزيز هذه العلاقات وفي إعطائها شحنة عاطفية وسياسية قوية، لكن لا يمكن لأي علاقات أن تستمر وتحافظ على خصوصياتها على أساس عنصري الإرث التاريخي والرومانسية الثورية بل هي بحاجة لبوصلة ولمضمون جديد.

ثالث هذه العناصر الدور الإسرائيلي الناشط في إفريقيا الذي كان من ابرز محطاته زيارة وزير خارجية إسرائيل أفيغدور ليبرمان إلى إثيوبيا ودول افريقية أخرى في سبتمبر الماضي على رأس وفد من رجال الأعمال وخبراء الزراعة والمياه بغية المساعدة في إنشاء السدود كما هي الحال الإثيوبية.

وتأتي السياسة الإسرائيلية في إطار استراتيجية تهدف لمحاصرة العالم العربي وبالأخص الدور المصري بعد الخسارة الفادحة التي أصابت إسرائيل بفقدها نقطتي ارتكاز أساسية في سياسة الاحتواء في المنطقة الآسيوية هما إيران وتركيا.

رابعا، سياسات ضغوط ناشطة مصدرها بعض دول المنبع وموجهة بشكل خاص ضد مصر إحدى القوى الأساسية الإقليمية في إفريقيا في لعبة بناء النفوذ وتعزيزه في القارة السمراء وهذه السياسات تتقاطع أحيانا مع سياسات دولية فاعلة على الصعيدين الإفريقي والشرق أوسطي.

خامس هذه العناصر تبلور مصالح وتحديات جديدة عند دول المنبع تدفعها لبلورة سياسات تنموية زراعية وغيرها تستدعي بناء السدود وبالتالي محاولة إعادة النظر في اتفاقيات تعتبر أنها صيغت ضمن موازين قوى معينة، وفي ظروف معينة لم تعد قائمة لا بل إن الظروف قد تغيرت ومعها أيضا موازين القوى.

أما في الحالة السودانية بعدما صارت حروب السودان الداخلية جزءا راسخا ومستقرا في الصورة السودانية، فكل المؤشرات تدل أن «الطلاق» سيحصل في يناير المقبل بعد الاستفتاء المنتظر، وان لهذا الطلاق تداعيات داخلية سودانية شديدة تتعلق بمستقبل انتماء بعض الولايات القريبة للجنوب وتهدد بانفراط العقد السوداني.

ويقول في هذا الصدد نائب والي جنوب كردفان وعضو المكتب السياسي للحركة الشعبية بان مصير شمال السودان قد يكون مثل يوغسلافيا حال انفصال الجنوب، مع التذكير أيضا أن الدولة الجديدة فيما لو قامت ستقف في مصاف دول المنبع باعتبار أنها تحوي بحر الغزال إحدى مصادر النيل.

وتعارض مصر بشدة انفصال جنوب السودان نتيجة مخاطر ذلك على أمنها القومي، وفيما لو حصل هذا الانفصال فسيؤدي إلى تكريس سقوط مبدأ أساسي حاكم للعلاقات الإفريقية - الإفريقية منذ نشأة منظمة الوحدة الإفريقية وقوامه عدم جواز المس بالحدود التي رسمها الاستعمار لأن ذلك يدخل إفريقيا في حالة من البلقنة الكبيرة.

فالأزمتان متداخلتان وتؤثران ليس فقط في الفضاء الاستراتيجي الإفريقي بل العربي الشرق أوسطي أيضا، ولا يكفي الاكتفاء بسياسات التهدئة رغم أهمية هذه وبدبلوماسية الاتصالات والطمأنة المتبادلة، فالمطلوب مقاربة مختلفة للملفين المترابطين في هذه الأزمة التي تتكون عناصر التفجير فيها بقوة.

من المطلوب على سبيل المثال التحول المصري من منطق تقاسم مياه النيل إلى منطق يقوم على الشراكة التي تتخطى مسألة المياه لتبحث في بلورة مشاريع تنموية متعددة الأطراف تستند ضمن أمور أخرى على المياه يستدعي الأمر أيضا ترشيد استعمال المياه والبحث عن مصادر بديلة للمياه في مصر ومعالجة مشكلة النمو السكاني ضمن أمور أخرى.

لكن المطلوب «عودة» عربية إلى إفريقيا ليس من نوع العودة الموسمية والاكتفاء بدبلوماسية القمم بل عودة تنطلق من بلورة استراتيجية افريقية للعرب تقوم على إعادة صياغة العلاقات العربية الإفريقية وتأسيسها على المصالح المشتركة الاقتصادية والتنموية، وعلى بلورة سياسات مشتركة باعتبار أن الإقليمين ينتميان إلى العالم النامي على الصعيد الدولي.

وحدها سياسات من هذا النوع تندرج في استراتيجية كبيرة و شاملة في أبعادها تسمح بإنقاذ وحدة السودان وبإعادة وصل ما انقطع في منطقة التماس العربي الإفريقي وخلق علاقات تعاون وشراكة. تحد كبير يواجه العرب في لحظة صعبة وحرجة جدا على الصعيد العربي ولكنه غير مستحيل إذا ما تذكرنا أن للجميع مصلحة في صياغة علاقات شراكة عربية افريقية ذات مضمون تعاوني راسخ وواضح.

كاتب لبناني

hitti@wanadoo.fr