البحث العلمي قضية ضرورية، بل ومفصلية في دولة كالإمارات ترنو إلى المستقبل بعين مفتوحة وبخطط واعية. فقد أدركت الدولة ومنذ زمن، أن التخطيط للمستقبل والاستعداد للقادم من الأيام، هو شيء مهم وضروري لاستدراك ما فاتها ومواجهة الكثير من التحديات المجتمعية الحالية والمستقبلية.

فكم من مشكلة يمكن تداركها والتصدي لها بإيجاد الحلول الملائمة، لو تم بحثها ومواجهة انعكاساتها قبل استفحال خطرها، وكم قضية مجتمعية يمكن التوصل إلى حل ناجع لها لو تم الاستعداد لمواجهة إفرازاتها مسبقا!

ويلعب البحث العلمي، بكل أساليبه النظرية والميدانية، دورا مهما في التصدي لتلك الأخطار والتحديات المجتمعية، خاصة إذا ما عرفنا أن إيجاد الحلول الناجعة والسريعة لبعض القضايا، هو في صالح الأمن الاجتماعي والقومي، ليس لدولتنا فحسب، بل لإقليم الخليج بأكمله.

ولكن، على الرغم من هذا الإدراك، إلا أن بعض القضايا المحلية التي تنبأنا بها في فترة متقدمة جدا من عمر الاتحاد، ما زالت حتى يومنا هذا تمثل هاجسا حقيقيا لأمننا القومي وعقبة في طريق التنمية المستدامة. والمخيف في الأمر أن بعضا من هذه القضايا يتفاقم كل يوم، دون أن نكون قادرين حتى على الإشارة إلى مواضع الخلل لإيجاد التشخيص والعلاج الناجع لها.

والمثير للاهتمام أن الرأي العام المحلي والكثير من مثقفي الإمارات، كانوا ومنذ زمن طويل، قد نبهوا لخطورة بعض من هذه القضايا واحتمال تفاقمها. وعلى الرغم من ذلك التحذير، فإن تلك القضايا ظلت دون حلول حتى تفاقمت اليوم، لتقف الجهود المحلية عاجزة عن إيجاد مخرج لها، عدا بالطبع عن بعض المسكنات المؤقتة.

منذ الثمانينات كانت الساحة المحلية تناقش أمورا، كانت في تلك الفترة تمثل تحديا متوقعا للدولة. قضايا مثل التركيبة السكانية، التوطين، تعريب العمالة، جودة التعليم، الخبير الأجنبي، والعمالة المنزلية وآثارها، والزواج من أجنبيات، وغيرها من القضايا المحلية التي ناقشها مثقفو الثمانينات، وهي حتى الآن لا تزال على طاولة البحث دون حلول ناجعة لها.

بالإضافة إلى ذلك، فإن المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي مر بها مجتمع الإمارات منذ الثمانينيات وحتى الآن، قد أفرزت جملة من القضايا الأخرى التي تنتظر حلولا، ومنها على سبيل المثال: البطالة، التنمية غير المتوازنة، الجريمة المنظمة، وغيرها من القضايا المجتمعية. هذه القضايا جميعها تمثل اليوم تحديا حقيقيا للدولة، وما لم تتم مواجهتها وإيجاد الحلول الناجعة لها، فإنها سوف تتفاقم لتمثل تحديا أمنيا خطيرا للدولة.

وعلى الرغم من أن هذه القضايا قد تم وضعها على بساط البحث مرات ومرات، وتمت المداولات بشأنها على كل المستويات الرسمية والشعبية، الاتحادية والمحلية، الداخلية وحتى الخارجية، كما تناولتها وسائل الإعلام المحلية والأجنبية بشيء من التحليل أحيانا والنقد أحيانا أخرى، إلا أنه ليست هناك بارقة أمل لحلول جذرية للعديد منها، حلول يمكننا بعدها الاطمئنان إلى مستقبلنا وأمننا القومي وأمن الأجيال القادمة.

قبل عقود كانت الحجة أو المبرر جاهزا على الدوام، فالجميع كان يتعلل بضعف الخبرة وقلة الإمكانات البشرية وبغياب الكوادر المؤهلة. ولاستدراك ذلك كان يتم استجلاب الخبرات الأجنبية أو استيراد بعض الحلول المعدة أو المطبقة في الخارج، والتي لم تفلح في حل أي قضية. هذه المبررات يجب أن لا تقف اليوم عقبة في سبيل إيجاد الحلول وتهيئة المخارج لتلك القضايا.

فلم نعد نفتقد الخبرات المؤهلة، بعد أن غصت الوزارات والهيئات المحلية بالكثير من الكوادر البشرية المواطنة المؤهلة تأهيلا عاليا. وحتى إن كنا نفتقد الخبرة والكوادر المواطنة المؤهلة، فلم يعد استيراد الخبرات أو الخبراء الأجانب قضية تثير الاستغراب، بعد أن تم استيرادهم من كل حدب وصوب وفي كل الحقول.

والأهم من ذلك أن الدولة قد رصدت للبحث العلمي والتكنولوجي ميزانية كبيرة، يمكنها الغوص في بحر كل تلك التحديات المحلية وإيجاد الحلول والتشريعات المناسبة. الدولة لم توفر للبحث العلمي ميزانية كافية فحسب، بل أولت قطاع البحث العلمي أهمية كبيرة، وهيأت المناخ المناسب والمؤتمرات العلمية المتعددة، وخصصت له ركنا مهما في استراتيجية الدولة. إذا، أين تكمن المشكلة؟

هناك من يعتقد أن تلك المشاكل والتحديات لم تكن يوما تناقش بشكل جدي أو عميق، بل كانت على الدوام تناقش بشكل سطحي لا يغوص إلى أعماق تلك المشاكل، ولا يدرس الترابط بينها وبين بعضها البعض.

فمثلا، لم يتم ربط قضية البطالة بشكل جدي بقضية التوطين، ومناهج التعليم، وأمن المجتمع، وبالتالي فإن قضية كهذه ظلت تتفاقم حتى أصبحت اليوم تشكل تحديا حقيقيا للمجتمع.

ونقيس على ذلك القضايا الأخرى، كجودة التعليم ومتطلبات سوق العمل وتعريب العمالة، وقضايا اجتماعية كقضية الزواج من أجنبيات وارتفاع سن الزواج وغيرها.

فمثلا، لا يمكن حل قضية غلاء المهور بإيجاد صندوق للزواج فقط، بل في العمل بجد على تغيير توجهات الشباب من الجنسين، والتوعية الإعلامية الجادة، والأهم من ذلك إجراء الدراسات الاجتماعية لمعرفة التوجهات المجتمعية الحالية والمستقبلية. كما أنه من المهم أن نعرف تأثير البيئة المجتمعية وعوامل التغير الاجتماعي، وتأثير كل ذلك على تلك القضايا سلبا أو إيجابا.

تشجيع البحث العلمي المحلي قضية محورية. فعوضا عن إنفاق الملايين على خبير أجنبي مستورد، يستحسن البدء في إيلاء أهمية كبيرة لحقل البحث العلمي والدراسات الاجتماعية النظرية والميدانية الجادة، حتى يمكننا التعرف على جذور مشاكلنا المحلية. فدون إنشاء قاعدة بحثية يرفدها خبير محلي، لن نتوصل إلى صيغ توافقية لقضايانا المحلية.

الخبير الأجنبي أفادنا في مرحلة البداية ولكنه الآن، وبإجماع الميدان المحلي، لن يستطيع أن يقدم لنا حلولا لقضية ارتفاع نسبة العمالة الأجنبية، التوطين، البطالة، وارتفاع نسبة الجريمة المنظمة، وارتفاع حالات الطلاق. كما أن الخبير الأجنبي لن يرشدنا إلى مؤشرات المتغيرات في سوق العمل، وبالتالي مدى حاجة مناهجنا الدراسية لمواكبة هذا التغير.

هناك مثل عربي يقول: «ما حك جلدك مثل ظفرك». فبالتأكيد، لن يحل قضايانا المحلية إلا الدراسات المحلية الجادة، التي تغوص إلى قرار هذه القضايا وتقدم لنا الحلول الناجعة.

جامعة الإمارات

fatimaalsaayegh@hotmail.com