ما من شك أن اليمن كان نجم الأخبار في الأسبوع الماضي إلى جانب ملفي كوريا الشمالية وإيران.. البداية كانت ارهاصات انفراج مع إعلان الرئاسة سلسلة من العفو العام، لكن المشهد انقلب فجأة، خطف ومواجهات مسلحة وعودة الاستقطاب والتربص.
ولتقريب الصورة لا بد من العودة إلى شهر يناير الماضي عندما ظهر للعلن للمرة الأولى، وعلى لسان وزير الخارجية البريطاني ديفيد ميليباند قبيل مؤتمر لندن للمانحين، مصطلح «الدولة الفاشلة»، طبعاً التصريح كان مجرد تلميح، ومن باب التحذير لا التوكيد، لكنه خرق حاجز الدبلوماسية ليتحول إلى حالة من الانذار المبكر.
وزاد الأمر خطورة مع تسريبات بريطانية، والتي هي بالأساس من قسّم اليمن، عن تفكير بإحالة وضع اليمن إلى مجلس الأمن كونه يمثّل «تهديداً» للسلم والأمن الدوليين مع عشعشة الإرهاب في جنباته، وتحول بقاع كثيرة جنوبه أوكاراً للمتطرفين.
لكن، مشاكل اليمن، واليمنيين بالطبع، تتعدى خطر القاعدة.
العالم حاول المساعدة، فكانت الوعود الكبيرة بالمنح للتنمية لكن الربط العجيب بين تدفق الأموال والحرب على الإرهاب قدّم الهاجس الامني على الأولويات، واستنفذت القدرات اليمنية في التجييش، وحرب نيابة عن الغير.. وزاد الأمر سوءاً من تفجر بقع ساخنة خلال الأعوام الأربعة الماضية في الشمال وفي الجنوب، ليزيد شبح التجزئة والتشطير من الهم، ويستنفذ جزءاً آخر من مقدرات التنمية والتطوير.
لاشك أن اليمن يعاني من مشاكل لا تحل بعصا سحرية، ولكن التركيز على الهاجس الأمني، والتعامل مع كل القضايا بالتشخيص ذاته: الأمن، لا يولد حلولاً بل يعمّق الأزمات والفجوة بين السلطة ومكونات المجتمع التي تتحول إلى حالة من العداء والمواجهة في ظل سيطرة العقلية الثأرية على مجتمع لا تزال تتحكم في أواصره القبلية.
ما تعيشه شبوة وأبين ومأرب من تعاظم المد الأصولي يحتّم على السلطة، إن هي اعتبرت أن هذا الخطر هو الأشد، أن تعمل على تحييد الجبهات الأخرى، مثل الوضع المتفجر في صعدة مع الحوثيين، والمضطرب في محافظات الجنوب مع الحراك الجنوبي، وطرح معالجات حقيقية لقضايا تثير المجتمع بطبقاته المختلفة على السلطة مثل التمييز، والفساد، والتقصير في توزيع مخصصات التنمية، وحتى البطالة.
وعليه، نظر كثيرون بعين الرجاء إلى الخطوات الأخيرة التي اتخذها الرئيس علي عبدالله صالح تجاه المعارضة ودعوته إلى الحوار وطرحه تشكيل حكومة شراكة، وعفوه العام عن معتقلي الحراكط الجنوبي والحوثيين وحتى الصحافيين.. وهذا الطرح يجب أن يكون خريطة طريق نحو علاج الخلل لا مجرد مسكنات وإجراءات تكتيكية.
المصالحة الوطنية عملية، لاشك، صعبة، وتحتاج إلى تنازلات مشتركة، وهي أمور تبقى غير مستساغة لدى العقل العربي الذي ينظر إلى أي مبادرة على أنها تنازل، كما هو الحال في فلسطين حيث تتعطل المصالحة بانتظار من يركل كرة البداية..
وفي هذا السياق يجب على السلطة الحاكمة في اليمن متابعة خطوات بناء الثقة، فهي التي تملك العدد الأكبر من خيوط اللعبة، وهي التي تستحوذ على الحجم الأكبر من أدوات التأثير: سواء التنفيس أو التجييش، وعليه فهي القادرة على احتواء المعارضة، لا المعارضة.
ويبقى التأكيد على أن ما تقوم به السلطة هو الفاعل الأهم لترتيب البيت من الداخل، بعيداً عن الأجندات الجانبية التي ترى كل ما يجري في اليمن من منظار الحرب الكونية على الإرهاب، غير آبهة بالاعتبارات المجتمعية والثقافية والاقتصادية في بلد يئن تحت وطأة سوء التخطيط. فبحسب التقارير الصادرة عن البنك الدولي فإن نحو 40 في المئة، وبالتأكيد أكثر، من سكان اليمن يعيشون بأقل من دولارين في اليوم، وهو ما يعد تربة خصبة لأي نهج معارض للسلطة، القاعدة أو غيره.
وبالتالي، فالحل في اليمن اقتصادي، ولكنه ليس أبدا بالمنح، ووعود التمويل التي تصل مرة وتغيب مرات.
وفي ظل هذا الوضع المحتقن، هناك من يربط بين ما يجري في اليمن وإعادة صياغة الخريطة الجيوسياسية في منطقة القرن الإفريقي، وحتى ما يدور في مثلث منبع النيل.. فالخيوط متداخلة إلى درجة رهيبة تجعل الفصل بين كل هذه الملفات عملية مجهدة، فما يجري في اليمن مولود من رحم ما يجري في الصومال، وما يعيشه الصومال موصول بالحبل السري الذي يغذي ما يخطط للسودان، ولجنوبه بالتحديد.
والعجيب، مع أنه لم يعد كذلك، أن الحس العربي غائب تماماً علما يجري افيلبحر الأحمر وفي مضيقه الجنوبي (باب المندب) مع سيطرة كاملة على البحر الأبيض المتوسط، جوفه وشطآنه، وعلى الخليج العربي.
