يتابع الكثيرون على امتداد العالم العربي، بمزيد من القلق والاهتمام، تطورات الساحة العراقية، وهي تنتقل من التنافس بين الكتل والتحالفات، التي يمثلها نوري المالكي وإياد علاوي إلى الحركة النشطة للتحالف الوطني، الذي تشكل أخيرا، وانهماك القيادات العراقية في جولات مكوكية عبر عواصم الدول المجاورة للعراق، ليتوج هذا كله بالتلويح بالاستعانة بضغوط دولية، لتشكل دور القابلة في ميلاد الحكومة العراقية العتيدة، التي يبدو أن كثيرا من المياه سيجري تحت أنهار الدنيا قبل أن ترى النور.

بالقدر نفسه من القلق والاهتمام تتم متابعة التطورات المتعلقة بأمن الشارع العراقي، ورصد مدى جدية صناع القرار الأميركي في المضي قدما بالانسحاب الجزئي من العراق المقرر في أغسطس المقبل، وهو انسحاب تكتنفه الشكوك من كل جانب.

غير أننا ننطلق، على أرضية من الاهتمام نفسه والقلق ذاته، إلى إطلاق صرخة تحذير نرفعها عالية، من أجل العراق، ومن أجل كل من يطلون على ساحل الخليج ويرتبط مصيرهم ومستقبلهم به.

كل من تابع التطورات المترتبة على التسرب النفطي الناجم عن التنقيب على النفط على عمق كبير في خليج المكسيك يدرك أننا حيال الكارثة الأكثر في خطورتها في صناعة النفط، منذ عقود، ومن الجلي أن تأثيرها النهائي لم يتكامل، ولم تتضح معالمه في صورتها النهائية بعد.

نتمنى ألا نكون مبالغين إذا قلنا إن شمال الخليج مرشح لأن يشهد تسربا نفطيا على القدر نفسه من الخطورة، مع الفارق الكبير بين المحيط الأطلسي وبين الخليج في إمكانية امتصاص تأثيرات محنة من هذا النوع.

إننا نطلق صرخة التحذير هذه من كارثة نفطية في شمال الخليج، على أرضية من حقائق يدركها كل من يملك حدا أدنى من الاهتمام الحقيقي بالقطاع النفطي في العراق الشقيق:

أولاً ـ إذا كانت البنية التحتية لقطاع النفط في جنوب العراق هي الكيان الكبير الذي تتدفق عبره 80% من صادرات العراق، فإن علينا أن ندرك أنها قد عانت من عقود طويلة من الإهمال، بينما يجري في الوقت نفسه تشغيلها بطاقتها القصوى، لزيادة إنتاج العراق من النفط تحت سقف طموحات تشمل رفع هذا الإنتاج من 5. 2 ملايين برميل يوميا إلى 10 ملايين برميل يومياً، في غضون 6 سنوات، حسب توقع وزير النفط العراقي حسين الشهرستاني.

ويجري تصدير النفط العراقي عبر مصبين رئيسيين مطلين على الخليج يستمدان نفطهما من شبكة هائلة من الأنابيب الممتدة تحت الماء، تربطهما بحقول نفط الجنوب.

ويخشى الخبراء من أن هذه الشبكة، التي لم يجر تفقدها ولا إصلاحها، منذ سنوات طويلة، إذا تم فحصها بالطرق المتقدمة المستخدمة اليوم فإنها قد تتعرض لأضرار لا مجال معها للإصلاح.

وفي غضون ذلك، يظل احتمال حدوث تسرب نفطي كبير من هذه الشبكة قائما بما يهدد بخطر هائل الاقتصاد العراقي كله ومحطات تحلية المياه على امتداد الخليج والحياة البحرية في المنطقة.

ثانياً ـ أعلن الشهرستاني، في أكثر من مناسبة منذ عام 2008، عن إعطاء الأولوية لمشروعين محددين، أولهما يغطي العراق تكلفته المالية، ويديره خبراء عراقيون، والثاني تموله اليابان ويديره عراقيون أيضا، لمد شبكات جديدة من الأنابيب في مياه الخليج.

وفي ظل هذين المشروعين ستغذى المحطتان الحاليتان بأنابيب جديدة، وتدعم بنقاط رسو أحادية، حيث أن نقاط التحميل الطافية الجديدة هذه أكثر مرونة وأمانا وسهولة في التشغيل، وهي المستخدمة عالميا في الوقت الراهن.

وأعلن فلاح العامري مدير التسويق بوزارة النفط العراقية أن العراق سيقوم بتطوير منافذ للتصدير بعد الوصول بمعدلات الإنتاج إلى أكثر من خمسة ملايين برميل يوميا، وقال إن الوزارة ستنتهي قريبا من إنجاز ميناء عائم في الجنوب، مما سيزيد الطاقة التصديرية هناك إلى أكثر من أربعة ملايين برميل يومياً. ولا شك في أن هذا كله جميل ورائع حقا، لكن التقدم الذي يتم إحرازه في هذا الصدد بطيء على نحو لا يمكن إلا أن يوصف بأنه غير مفهوم.

ثالثاً ـ في مواجهة واقع على هذا القدر من التعقيد، لابد أن يؤخذ في الاعتبار الإطار الكلي، الذي يتحرك فيه قطاع النفط العراقي من ناحية، والإطار الجزئي المتعلق بالمشروعات التي يمكن أن تجنب شمال الخليج كارثة تسرب نفطي كبير، ففي الإطار الكلي لابد من ملاحظة أن تطوير القطاع النفطي العراقي يتم في إطار مزايدات بين الشركات الأجنبية تتناقض مع صميم فلسفة العمل الوطني العراقي، التي قامت على التأميم.

وعلى المستوى الجزئي فلابد من أن نلاحظ أن دفع قطار العمل في هذا القطاع في الجنوب لابد من أن يرتبط برؤية شاملة لتطوير بنيته الأساسية بما يعود بالنفع على أبناء العراق، ويتعين على الحكومة العراقية تسريع آليات اتخاذ القرار والتوصل إلى خطة شاملة لتقييم المخاطر والتصدي للكوارث التي قد تواجه القطاع.

إننا نتمنى للعراق الشقيق كل الخير، ونأمل له النجاة من كارثة بمثل هذا القدر من الخطورة، يمكن أن تقع في أي وقت، وتنعكس سلبا على اقتصاده، وعلى الحياة على امتداد الخليج، وعلى الكائنات التي تعيش في مياهه. ويكفي العراق من الخسائر ما يتوقعه الخبراء من خسارة سيتكبدها تبلغ 194 مليار دولار في ظل العقود الراهنة طيلة مدة سريانها، فيما يخص أول إثني عشر حقلا نفطيا فقط يتم تطويرها.

ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد

kamel@albayan.ae