تعامل قدماء المصريين مع نهر النيل، باعتباره واهب الحياة والنماء، وجالب الخير لمن يعيش على ضفتيه، وفي التاريخ الحديث والمعاصر تغنى الشعراء، وتغزل الكتاب في النهر المقدس، أطول أنهار الدنيا، حتى ارتكن غالبية المصريين - في السنوات الأخيرة على الأقل - إلى فكرة أن حقوقهم التاريخية من المياه التي أمنتها معاهدات دولية، لا يمكن المساس بها، فهي خط أحمر، على دول المنبع عدم الاقتراب منه.
هذا الاعتقاد القائم على فكرة الحق التاريخي المطلق، جعل البعض يظن أن تجاهل شكوى بعض دول المنبع الإفريقية، خاصة إثيوبيا، من المعاهدة الموقعة منذ أكثر من ثمانين عاماً، والتي توفر لمصر حصة من مياه النهر تصل إلى 5,55 مليار متر مكعب سنوياً، قد لا يفاقم المشكلة التي تدحرجت مثل كرة الثلج حتى وصل الأمر إلى توقيع خمس دول من بين عشرة هي مجموع الدول المتشاطئة على النهر على اتفاق إطاري، ترى مصر والسودان أنه يهدد مصالحهما ويقلل من حصتهما.
وتتمسك مصر التي تعتمد على نحو 80؟ من مياه النيل بحقها استناداً إلى أن بريطانيا التي كانت تحتل الجزء الأكبر من حوض نهر النيل وقعت ـ باعتبارها مسؤولة عن السودان ـ مع إثيوبيا عام 1902 على معاهدة تلزم إثيوبيا بعدم القيام بأية أعمال أو مشاريع على منابع النيل، تؤثر في كمية المياه المتدفقة في النهر إلا بعد الرجوع إلى الحكومتين البريطانية والسودانية، وهي معاهدة سارية المفعول وفقاً للقانون الدولي.
الخلاف بين مصر والسودان من جانب وباقي دول منابع النيل كانت حاضرة، في اجتماع وزراء ري دول حوض النيل الذي شهدته مدينة الاسكندرية الصيف الماضي، قبل ان يتفاقم الوضع وتوقع في الأيام الأخير أربع من دول المنبع وهي إثيوبيا وتنزانيا وأوغندا ورواندا في عنتيبي -انضمت كينيا لاحقاً إليهم- على اتفاق الإطار بشأن مياه النيل ومنح باقي الدول الأخرى مهلة عام ينتهي في 11 مايو 2011 للتوقيع والمصادقة عليه.
هنا انتقل الملف من أيدي وزراء الري، ليصعد إلى قمة صناع السياسة، حيث استقبل الرئيس المصري حسني مبارك الاسبوع الماضي رئيس وزراء كينيا رايلا أودينغا الذي قالت وسائل الإعلام إنه طمأن الجانب المصري على عدم الإضرار بمصالح مصر المائية.
ولم يكتف الرئيس المصري بلقاء رئيس الوزراء الكيني، فقد شكل طبقاً ل(بي بي سي) خلية أزمة خاصة لمتابعة الصراع مع دول حوض النيل حول المياه (تضم ممثلين على أعلى مستوى من أجهزة الأمن القومي المصري)، وهذه الخلية في (حالة انعقاد دائم لمتابعة تطورات الصراع حتى التوصل إلى تسوية نهائية).
هل كانت مصر في حاجة إلى كل هذا الصداع، والدخول في خلافات مع دول المنبع على هذا النحو، لو وضعت في الاعتبار خلال سنوات الثمانينات والسبعينات من القرن الماضي أهمية الحضور المكثف والدائم في إفريقيا، على أرضية المصالح المتبادلة، وبما لا يعطي لأطراف أخرى وخاصة إسرائيل فرصة اللعب بالنار في منطقة تمثل خطاً أحمر حقيقياً بالنسبة للأمن القومي المصري؟
النيران تحاصر النهر الذي قدسه المصريون القدماء، فهل ينجح المصري المعاصر في إبعاد لهيبها عن أرض الوادي الذي يتكدس على شريطه الضيق أكثر من 80 مليون نسمة، يتوقع أن يصلوا إلى 97 مليون بحلول 2025؟.. مجرد سؤال.
