بعد يومين تجري الجولة الأولى من استحقاقات انتخابية تشهدها مصر وتمتد حتى نهاية العام المقبل بانتخابات رئاسة الجمهورية، بعد أن تمر في نهاية العام الحالي بانتخابات مجلس الشعب، موسم انتخابي طويل يفترض لو سارت الأمور كما ينبغي أن يخرج مصر من حالة الركود السياسي التي طالت، وان يعكس الضرورة القصوى لاستكمال خطوات الإصلاح السياسي التي تعثرت طويلاً.
والتي لابد منها لمواجهة تحديات مهمة داخلية وإقليمية فرضت نفسها على أجندة العمل الوطني، بدءاً من الظروف الاقتصادية الصعبة والتداعيات الخطيرة لمشاكل البطالة والسياسات الاقتصادية التي جاءت على حساب الطبقات الفقيرة والمتوسطة، والتحالف المريب بين المال والسلطة، والحاجة لجهود خارقة في التعليم والرعاية الصحية، وحتى الأوضاع الخطيرة التي تمس الأمن القومي .
والتي لا تتوقف عند أزمة مياه النيل، بل تمتد للأوضاع في فلسطين واحتمال عدوان إسرائيلي على غزة أو لبنان أو سوريا بكل احتمالاته، أو صدام أمريكي إيراني على خلفية الملف النووي، أو تصاعد الأوضاع في السودان إلى ما هو أبعد حتى من انفصال الجنوب، كل هذا في ظل عدم الإعلان حتى الآن عن ترشيح الرئيس مبارك لدورة رئاسة مقبلة.
وتأكيد أمين الحزب الوطني صفوت الشريف إن اسم المرشح لن يعلن إلا في صيف العام المقبل، أي قبل شهور قليلة من الانتخابات رغم عودة الرئيس مبارك لممارسة نشاطه بعد الجراحة التي أجراها في أوروبا وفترة النقاهة بعدها، ومع تصريح رئيس الوزراء أحمد نظيف قبل أيام والذي أثار جدلاً واسعاً عكس بعض ما يجري من صراع داخل السلطة حين أكد أن الحزب الوطني الحاكم لم يفرز قيادات صالحة لتملأ مكان مبارك.
وسط هذا كله، ومع تصاعد حركات احتجاجية ومنظمات تتحدث عن التغيير وتطالب به، واعتصامات عمالية كانت تفترش رصيف البرلمان لأسابيع قبل أن يتم فضها قبل أيام، تجئ المفاجأة من هذا الفتور الذي يسود المعركة الانتخابية التي تدور حول نصف مقاعد مجلس الشورى.
وهو المجلس الذي ابتدعه السادات ومنحه اختصاصات اقل من اختصاصات الغرفة الأخرى للبرلمان وهي مجلس الشعب، ويكفي للتدليل على هذا الفتور أن حزباً رئيسياً في المعادلة السياسية القائمة مثل حزب الوفد لم تمنعه المشاركة في هذه الانتخابات من أن تنشغل كل قياداته طوال الأسابيع الماضية بانتخاباتها الداخلية التي جرت أول من أمس لاختيار رئيس الحزب.
وبصفة عامة فإن انتخابات الشورى عادة لا تلقي نفس الاهتمام الذي تحظى به انتخابات مجلس الشعب، فالاختصاصات محدودة، ونفوذ الأعضاء أقل.
ثم ان الأحزاب تواجه فيها مشكلة حيث ان حجم الدوائر الانتخابية أكبر بكثير من حجم دوائر مجلس الشعب، وبالتالي فالإمكانيات المادية المطلوبة لخوض الانتخابات كبيرة، والتحالفات العائلية صعب تدبيرها، وتدخل الأجهزة الإدارية يصبح حاسماً ومن هنا كانت الأحزاب تؤثر ادخار جهدها لانتخابات مجلس الشعب أو انتظار الدخول ضمن ثلث أعضاء المجلس الذين يقوم بتعيينهم رئيس الجمهورية. ولهذا فالسيطرة كاملة على المجلس للحزب الوطني الحاكم.
ومع ذلك كانت هناك توقعات بأن يختلف الأمر هذه المرة. فالظروف تغيرت، والانتخابات هي بداية موسم انتخابي طويل وحاسم في مستقبل التجربة الديمقراطية، والأحزاب السياسية لابد أن تقوم بتزييت ماكيناتها الانتخابية إن لم يكن بهدف الفوز بعدد محترم من مقاعد الشورى، فلكي تستعد للاستحقاقات المقبلة.
لكن المشكلة أن الأحزاب التي تمثل تيارات سياسية حقيقية والتي كان يمكن أن تملأ الشارع السياسي بالحياة قد وصلت لدرجة محزنة من الضعف، وغاب وجودها الحقيقي في الشارع السياسي لأسباب عديدة تتحمل الأحزاب مسؤولية بعضها.
ولكن الأساس هو الحصار الطويل الذي فرض عليها، والثمن الكبير الذي كان يدفعه من ينتسب إليها، ووضع أجهزة الدولة في خدمة الحزب الحاكم، والتجارب المريرة التي جعلت الغالبية العظمي من المواطنين تتصرف مع الانتخابات العامة على أنها تحصيل حاصل يبقي الأمور على ما هي عليه.
كانت النتيجة الطبيعية لموت الشارع السياسي هي السلبية من جانب والتطرف من جانب آخر، وقد دفعت مصر ومازالت ثمناً كبيراً لذلك. وبينما كانت الأحزاب تحت الحصار ومع صراعاتها وهزائمها الذاتية، كانت حركات الإسلام السياسي تأخذ مكانها في الساحة، وعندما وجد النظام نفسه أمام مطالب الإصلاح السياسي كان اللافت أنه فضل في انتخابات مجلس الشعب السابقة (2005) أن يعقد من خلال أجهزة الأمن صفقة مع الأخوان المسلمين كشف عنها قبل شهور المرشد العام السابق، كما كشف أنه تم التراجع عن الصفقة في المراحل التالية بعد النجاح الكبير الذي حققه الأخوان في المرحلة الأولى من هذه الانتخابات.
أما لماذا الصفقة مع الأخوان التي يعتبرها النظام جماعة غير قانونية وليس مع الأحزاب؟ فلأن من أبرموا الصفقة كانوا يرون أن ذلك يصب في مصلحتهم، ويظهر الحزب الحاكم كمن يدافع عن الاعتدال، ويترك أمامهم الفرصة لتوجيه الضربات للطرف المنافس باعتباره فاقدا للشرعية.
والنتيجة، أحزاب وتنظيمات سياسية تعاني من الضعف بما فيها الحزب الوطني، وشارع منصرف عن العمل السياسي مهموم بلقمة العيش، وحركات احتجاج مازالت تقف على الرصيف، ومطالب بالإصلاح لا تترجم إلى تحرك سياسي فعال، وأجيال جديدة مازالت تبحث عن طريق، وموسم انتخابي طويل وحاسم في ظروف بالغة الخطورة، ومع ذلك تبدأ أولى معاركه وكأنها حلقة من مسلسل تلفزيوني معاد.
كاتب صحفي مصري