لا شك ان الصفقة عالية المخاطر التي توصلت إليها الدول الأساسية في الاتحاد الأوروبي لتقديم تسهيلات إقراض هائلة للبلدان «المتعثرة مالياً» كانت إنجازاً تاريخياً.

وقد عبر صانعو السياسة المنهكون في الاتحاد الأوروبي، في أعقاب الإعلان عنها، عن خليط من مشاعر الإثارة والخوف. فلقد اصبحت وظائفهم أكثر أهمية، وصعوبة.

ومقترح التمويل الأوروبي هذا يعتبر خطة أولى مهمة، لكن يجب أن يتبعها فرض إصلاحات مالية صارمة، تنطوي على سلسلة من التحديات والمخاطر السياسية الجديدة.

من أسباب الابتهاج والإثارة أن هذه الصفقة ستساعد في شراء بعض الوقت لمنطقة اليورو في عيون المشاركين في السوق، كما ستظهر أيضاً أنه في أوقات الأزمات الحقيقية، يمكن للاعبين الكبار (مثل فرنسا وألمانيا) المساومة على حلول وسط والقيام بخطوات منسقة جريئة في صنع السياسات.

وتعكس الصفقة أيضاً «فدرلة» ميزانية الاتحاد الأوروبي، على الأقل جزئياً، ولذلك فإذا سار على شيء على مايرام، فسوف تسهم هذه التطورات في تعزيز سلطة وأهمية الاتحاد الأوروبي. وأخيراً، الإحساس بالارتياح لمعرفة أن «المتقاعسين مالياً» سيتحملون مسؤولية أخطائهم الآن بأسلوب أكثر مصداقية ومنهجية.

ومن أسباب الخوف ـ ان وقت العمل الجاد والشاق قد بدأ الآن. فالإعلان عن صفقة إنقاذ بهذه القيمة الهائلة شيء، والعمل على تطبيقها عملياً شيء آخر مختلف كلياً، وينطوي على تحديات ومصاعب جمّة في التخطيط والتفاوض للوصول إلى «نظام سياسات مالية أكثر مصداقية ومنهجية».

ويجب ألا ننسى ان التوترات وأجندات الإصلاح المالي المتنافسة قد تم تجاوزها ظاهرياً بإخفائها، دون تسويتها بشكل كامل. وهذا يعني ان مشاكل التنسيق البيروقراطي والتحديات السياسية على مستوى البلدان لن تتلاشى.

ويعتقد صانعو سياسات الاتحاد الأوروبي ان هناك عدداً من النتائج المحتملة من هذه الصفقة الأوروبية المقترحة: (1) خروج أحد البلدين المتعثرين الكبيرين (إيطاليا وإسبانيا) من اليورو، (2) خروج ألمانيا من اليورو على المدى القريب المباشر (4-5 سنوات)، (3) تسوية الأزمة كنتيجة لإعلان التمويل والخطوات العملية الأولية.

وعودة منطقة اليورو إلى النمو المستدام والاستقرار، (4) قصة نجاة صعبة ومحفوفة بالمخاطر، يحتفظ فيها اليورو بمصداقيته وقوته عموماً، لكن بالتزامن مع القيام باستجابات خاصة للتعامل مع الأزمات الصغيرة وتقييد النمو وبروز خطر حقيقي لحدوث توترات سياسية مع مرور الزمن بين عدد من الدول الأساسية الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.

وحتى الآن يبدو أن السيناريو الرابع هو السيناريو الأكثر ترجيحاً. فلقد ولدت الأزمة إجماعاً على التماسك المالي، بمعنى تقليص العجوزات الحكومية ومراكمة الديون، في أوروبا. وسيكون هناك آليات لفرض الإصلاحات المالية. بشكل عام، سيبقى هذا الإجماع متماسكاً حتى نهاية 2010.

لكن سيكون هناك توترات خطيرة، خاصة على المدى المتوسط. فعلى المستوى الاستراتيجي، سيكون لدى كل من فرنسا وألمانيا رؤى مختلفة جذرياً بشأن كيفية إدارة الموازنة بين التضخم والنمو (حيث تتبنى ألمانيا مواقف أكثر تشدداً بالنسبة للتضخم)، وستنعكس هذه الاختلافات في مقاربة كل منهما للإصلاح المالي.

وعلى المستوى الوطني، ستعمد بلدان مثل إسبانيا إلى خفض الإنفاق والتعويضات الاجتماعية بشكل كبير. وربما يكون هذا الحل غير مستدام سياسياً على المدى الطويل. وعلى المستوى الثالث الإقليمي، ستصبح الدول الأوروبية الشرقية الأعضاء في الاتحاد الأوروبي مثل بولندا أميل لتأييد ألمانيا في حملتها التي تطالب بالقيام بإصلاحات مالية عميقة في جنوب اوروبا.

ويضعنا هذا كله أمام عملية تفاوض معقدة بين البيروقراطيات والبلدان المختلفة. ولكي تستطيع منطقة اليورو كما نعرفها اليوم البقاء، لا بد لهذه المبادرة الجديدة أن تكون ناجحة وناجعة إلى درجة كافية.

لكن ستبرز في بروكسل مخاطر سياسية متداخلة بين تحالفات الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وفيما بين الدول بشكل فردي، فيما يتعلق بتكاليف وفوائد الإصلاح.

رئيس مجموعة يوراشيا للاستشارات السياسية

opinion@albayan.ae