لم تفلس اليونان ولم يسقط اليورو، ولكن هناك سؤال يتكرر لدى الجميع وبأشكال مختلفة، مفاده: هل رست سفينة أوروبا حقاًّ ونهائياً على برّ الأمان؟

سمعنا الكثير من زغاريد الفرح بعد الاتفاق الذي توصّل إليه قادة أوروبا، بعد مخاض شاق وطويل، وتبادل أهل الديار التهاني بالخروج سليمة معافاة، من الأزمة التي كانت اليونان قد دفعت أوروبا واليورو إليها.

هنا يبرز السؤال من جديد: هل هي حقيقة سليمة معافاة؟ ما يلفت الانتباه أوّلًا، هو سيل المقالات والتحليلات التي زخرت بها وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية والمسموعة، في أوروبا وفي الشاطئ الآخر من المحيط الأطلسي، التي تصبّ كلّها في القول إن «صحّة» أوروبا ليست على ما يرام، وأنه لا بدّ بالتالي من اللجوء إلى أكثر من عملية «تسكين»، وذهب البعض إلى حدّ المطالبة بضرورة «عمل جراحي». بتعبير آخر؛ لم يعد يكفي ترميم البيت الأوروبي، بل لا بدّ من إعادة تأسيسه.

ولقد أصبح جلياً للعيان وللجميع، أن أوروبا الموحّدة كانت على شفا الهاوية، وأنها ترنّحت من أساسها. وبعد أن جرى إنقاذ الأساس، لا بدّ اليوم من العمل على إنقاذ البيت. وإنقاذ البيت الأوروبي عبّر عنه كثر بضرورة الوصول إلى عملية اندماج حقيقي، والابتعاد عن استراتيجيات الانكفاء على المصالح الوطنية كسبيل وحيد لمواجهة أزماتها التي قد تتكرر في أية لحظة، ولامتلاك سبل مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين.

الخطر الأكبر الذي يحذر منه الجميع، هو التصرّف وكأن شيئاً لم يكن، وأن ما تمّ التوصّل إليه يوم 9 مايو الماضي، رغم أهميته الكبيرة، كان مجرّد «انحراف صغير» في توجّه عام صحيح، وأن الأمور عادت إلى مجراها الطبيعي.

الواقع يقول شيئاً آخر تماماً، وما جرى بالنسبة لليونان يمكن أن يتكرر، بل هو في طريقه إلى أن يتكرر في بلدان أخرى، وليس فقط في إسبانيا والبرتغال كما يتردد، ولكن في بلدان أكثر «عراقة» في تقاليد اقتصاد السوق، وتحديداً في بريطانيا وفرنسا.

وما جرى في اليونان هو المثال الأكثر بروزاً للدلالة على أن ما آلت إليه الأمور في منطقة اليورو، يخالف أصلاً المنطلقات الأساسية للاتفاقيات الأوروبية العديدة، من اتفاقية ماستريخت التي شكّلت الأساس القانوني لليورو، حتى اتفاقية برشلونة المبسّطة.

وقد بدا بوضوح أن البنود المتعلّقة بتحديد سقف للعجز في الميزانيات، ومنع مبادرات «إنقاذ» الدول الأعضاء التي تترك الأمور تتردّى عندها، وتبنّي مسار يؤدي إلى تقارب اقتصاد بلدان أوروبا وليس زيادة شقّة الخلاف بينها، لم يتم تطبيقها، بل العكس هو الذي حصل. وتبيّن في حالات كثيرة أن واقع الأرقام غير واقع الاقتصاد.

المشكلة الحقيقية هي تراجع الاقتصاد الأوروبي، بينما ينهض الآخرون. مؤشرات النمو الاقتصادي في العالم كلّه تشير إلى ذلك، حيث يرتسم في أفق نهاية 2010 نمو اقتصادي بنسبة 6% في البرازيل و8% في الهند و5 .10% في الصين، مقابل 3 .2% في الولايات المتحدة و7 .0% في أوروبا.

وتدلّ على تراجع الاقتصاد الأوروبي أيضاً، أعراض عدة يجمعها بعض الخبراء تحت عنوان واحد، هو «الانحطاط الأوروبي». ويكتفي الأقل تشاؤماً بالقول إنه لم يعد لدى أوروبا مشروع أو طموح، غير أن تحمي نفسها من عالم لم تعد تمتلك شيئاً في ما يتعلق بتوجيهه.

وفي كل الحالات، يستشفّ المرء كثيراً من المرارة لدى الأوروبيين الذين يدركون أن أوروبا التي «اخترعت» الرأسمالية في القرن الثامن عشر، هي اليوم في الصفوف الأخيرة بين القوى الفاعلة، وراء الصين والهند والبرازيل وروسيا، بل وإفريقيا التي تقلع بدورها وتحقق معدّل نمو اقتصادي سنوي، وصل مؤخراً إلى 6%، وديون عامّة لا تتجاوز 40% من إجمالي الإنتاج الداخلي الإفريقي، وسوق يعدّ 8 .1 مليار نسمة في أفق عام 2050.

هناك استثناءات قليلة من «القائمة السوداء» الخاصّة بالبلدان الأوروبية، التي تتراجع بالقياس إلى التي تتقدّم. أهم هذه الاستثناءات تمثّله ألمانيا والبلدان الاسكندنافية. السمة الأولى لهذه البلدان أنها قامت بإصلاحات حقيقية، خاصّة للنفقات العامّة في اتجاه ضغطها وترشيدها. البلدان الأخرى لجأت في تمويلها إلى الاستدانة من الأسواق المالية العالمية، ومعظمها غارقة بالديون وتردد: هل من مزيد؟ هذا إلى جانب مراوغة شركائها «في المصير» أحياناً. لكن حبل الكذب قصير كما يقال.

إن خروج أوروبا من النفق الذي هي فيه، يتطلّب منها بالضرورة مواجهة الواقع القائم، بعيداً عن أوهام الماضي وأمجاده الغابرة، وولوج طرق التجديد وامتلاك قدرات المنافسة، وإلاّ سوف تتخلّف عن «قطار العالم» المتسارع. هذا ملخص جوهر ما يكرره سيل التحليلات العارم في الأيام الأخيرة بأشكال مختلفة.

لكن إذا كان الحال هكذا بالنسبة لأوروبا بوزنها ودورها الكبيرين في صياغة التاريخ القريب للعالم، فماذا نقول بالنسبة للآخرين، ونحن بالطبع في عدادهم؟!

كاتب سوري ـ باريس

mohaklouf@yahoo.fr