«الخارجون عن القانون» فيلم أزاح الستار على الكثير من الجرائم الوحشية، التي ارتكبت في حق أبرياء جردوا من أراضيهم ومن حريتهم ومن حقوقهم وإنسانيتهم. الفيلم فتح من جديد ملف تاريخ فرنسا الاستعماري، وأحرج فرنسا والمثقفين الفرنسيين الذين يفضلون السكوت والكتمان والتعتيم على هذا الموضوع، بدلا من النقاش والصراحة والاعتراف والاعتذار والتعويض.
الفيلم بيّن للعالم بأسره أن هناك فئة من الناس ما زالت لم تدرك أن العالم تغير، وأن حقبة الفكر الاستعماري الاستبدادي قد ولت، وأن عصر الانفجار المعلوماتي والمعرفي والثورة الرقمية، قد أسقطت الحدود والحواجز.
المخرج رشيد بوشارب فتح ملف التاريخ الفرنسي الاستعماري من جديد، بهدف فتح الحوار والنقاش للمصارحة والتفاهم والاعتذار. قدم صورا في الفيلم تعبر عن فرحة الفرنسيين واحتفالهم بانتصارهم على هتلر والنازية، وقابلها بصور أخرى عن مجازر 8 مايو 1945، عندما قتل الاستعمار الفرنسي 45 ألف جزائري بسبب خروجهم للشوارع للمطالبة بالحرية.
«إن لم تستح فأفعل ما شئت»، هذا ما ينسحب على اليمين الفرنسي المتطرف وقدماء المحاربين الفرنسيين و«الأقدام السود»، الذين تظاهروا أمام قصر مهرجان كان السينمائي في دورته 63، للاحتجاج والتنديد برشيد بوشارب وفيلمه، الذي كشف المستور عن الاستعمار الفرنسي الغاشم، بالوقائع التاريخية وبالصور التي كشفت للعالم بشاعة الاستعمار الفرنسي ووحشيته.
فحسب المتظاهرين يمثل فيلم «الخارجون عن القانون» إساءة لفرنسا، وتشويها للتاريخ الاستعماري الفرنسي، وطالب بعضهم إدارة المهرجان بمنع عرض الفيلم وسحبه من المسابقة الرسمية.. وكأن قدماء المحاربين في الجزائر كانوا ينشرون العلم والمعرفة ومبادئ الديمقراطية وقيم الحرية والتنمية والتطور والرقي والازدهار!
تعتبر فرنسا من الدول الاستعمارية القليلة والنادرة في العالم، التي ما زالت مصرة على عدم الاعتراف بالبطش والتنكيل والتعذيب والجرائم التي اركتبتها خلال 130 سنة. ففرنسا لا تريد الاعتذار الرسمي للجزائر، وتتهرب من هذا الواجب باستمرار، بل إن البرلمان الفرنسي صادق على قانون يمجد الاستعمار منذ سنوات!
وحسب الطبقة السياسية الفرنسية، فالفعل الاستعماري الفرنسي هو فعل حضاري ساهم في تطور المستعمرات وتقدمها، وفي إدماج الشعوب في حركة النهضة العالمية. أما بالنسبة لموضوع التعويضات، فهو ليس مطروحا للنقاش والتفاوض مع المستعمرات الفرنسية السابقة.
الفيلم، بكل بساطة، أزاح الستار عن الكثير من الحقائق التاريخية التي ظلت مدفونة، وقدمها كما هي؛ عارية من كل تضليل أو تحوير أو تشويه أو ماكياج. استطاع بوشارب، وهو الذي أنتج «انديجان» و«ليتل سينيغال» و«لندن ريفر»، أن يدين بشاعة الاستعمار، وأن يبرز الجرائم الوحشية التي ارتكبها المحتل الفرنسي.
فمنطق الاستعمار الفرنسي، يقول إن من الحق الفرنسيين الاحتفال بالانتصار على ألمانيا وهتلر، لكن ليس من حق الشعب الجزائري أن يطالب بحريته واستقلاله وسيادته وحقوقه.
والمنطق تفسه لا يرى الحاجة إلى الاعتذار والاعتراف بالجرائم التي ارتكبتها فرنسا الاستعمارية في حق الشعب الجزائري. فلا اعتذار رسميا، ولا تعويضات. والأخطر من كل هذا أن رواسب ومخلفات الاستعمار الفرنسي ما زالت قائمة وموجودة إلى حد الساعة، فالتجارب النووية التي قامت بها السلطات الاستعمارية ما زالت آثارها الخطيرة، وبعد أكثر من أربعة عقود، تسمم العباد والبلاد والبيئة في منطقة رقان في الجنوب الجزائري.
فليتذكر اليمين الفرنسي المتطرف وقدماء المحاربين الفرنسيين، أن في 13 فبراير 1960 نفذت فرنسا تفجيرا نوويا «اليربوع الأزرق» في منطقة رقان في أقصى جنوب غرب الصحراء الجزائرية، بلغت قوته 60 كيلو طن، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف قوة القنبلة التي ألقت بها الولايات المتحدة الأمريكية على هيروشيما عام 1945.
هذه القنبلة تلتها قنبلة «اليربوع الأبيض»، ثم «اليربوع الأحمر»، حسب ترتيب الألوان الثلاثة للعلم الفرنسي. وفي الأخير اختتمت فرنسا جرائمها بالقنبلة الرابعة، التي سميت «اليربوع الأخضر».
وكانت حصيلة الجرائم النووية الفرنسية في الجزائر 57 تجربة، نفذتها فرنسا في ثلاث مناطق جنوب الصحراء الجزائرية، منها أربع تجارب سطحية و13 تجربة في أنفاق باطنية و35 تجربة على مستوى الآبار و5 تجارب أخرى استعملت فيها مواد فتاكة محظورة دوليا.
مسؤولية فرنسا في هذه الجرائم كاملة وواضحة، ولا تحتاج إلى قرار إدانة، فتجارب فرنسا النووية أدت إلى تلوث المنطقة برمتها في محيط 150 كيلومترا من موقع الانفجار. وقد نفذت فرنسا بين سنة 1960 و1966 أكثر من 20 تفجيرا نوويا وما يزيد عن 40 تجربة نووية على الأراضي الجزائرية، حسب تصريح العسكريين والخبراء الفرنسيين أنفسهم.
هذه الجرائم تسببت في تلويث الغلاف الجوي والموارد الطبيعية وتفشي الأمراض والتشهوات الخلقية وغير ذلك. وما زالت السلطات الفرنسية ترفض الاعتراف بجرائمها وترفض تسليم كل المعلومات إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وما زالت تداعيات وآثار الاستعمار الفرنسي في مستعمراتها السابقة حاضرة حتى الساعة، وما زالت مشكلات الحدود وأزمة الهوية والخلل الاقتصادي والتبعية الثقافية، تحاصر العديد من الدول التي عانت من مآسي الاستعمار والظلم والعبودبة.
«الخارجون عن القانون» فيلم عارضه الفرنسيون وأدانوه قبل رؤيته ومشاهدته، لأنه يفضح تاريخهم الاستعماري، بالصوت والصورة والحجج الدامغة، ويعتبر وصمة عار على جبين كل فرنسي يؤمن بالمبادئ الإنسانية وحقوق الإنسان وبالحريات الفردية والديمقراطية واحترام الشعوب والأمم والحضارات والديانات.
ولأن الشعب الفرنسي وفي مقدمته اليمين المتطرف، لا يملك الشجاعة الكافية لمواجهة ماضيه الاستعماري والاعتراف بالخطأ والاعتذار والتعويض.
الفيلم قدم أحداثا تاريخية وجرائم ضد الإنسانية، وسجلا استعماريا، يمثل وصمة عار على جبين أولائك الذين يدّعون الحرية والعدالة والمساواة ويتغنون بالديمقراطية وحقوق الإنسان، بينما لا تزال فرنسا ترفض الاعتذار الرسمي للشعب الجزائري وما زالت تتجاهل وحشية الجرائم التي قامت بها خلال 130 سنة، وما زالت تعمل جاهدة على إخفاء أحداث وتاريخ ووقائع من حق أولادها والبشرية جمعاء معرفتها.
وبفيلمه الأخير، سيفتح رشيد بوشارب النقاش مجددا حول تاريخ فرنسا الاستعماري. هذا النقاش الذي ترفضه السلطات الفرنسية وساركوزي واليمين المتطرف، والذي يزعج كثيرا أولئك الذين يتباهون بإعطاء دروس لدول العالم، في الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان والحوار بين الأديان والحضارات!
عميد كلية الاتصال، جامعة الشارقة
