عقد البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، بالتعاون مع مجلة «اليوم السابع» المصرية ومركز الدراسات في الجزيرة، نهاية الأسبوع الماضي، ندوة هي الثالثة التي يعقدها البرنامج الإنمائي في سلسلة حواراته حول التقرير العربي الأخير للتنمية البشرية، الصادر عن البرنامج العام الماضي.
وقد دارت في هده الندوة نقاشات متعددة، بعضها لامس موضوعات التقرير بشكل مباشر، وبعضها كان جديدا أو بعيدا عنه، إلا أن التساؤلات التي طرحت، قديمة وجديدة، تراوحت بين مسألة تلكؤ عمليات الإصلاح السياسي في المنطقة العربية، مرورا بمأزق الشرعية الذي بات يعاني منه جل الأنظمة العربية، مقابل نهوض كبير لمجتمعات وأمم أخرى في الشرق والغرب والجنوب.
وإذا كان النقاش العام قد تناول معوقات الإصلاح في العديد من الدول العربية، وتضخم الماضي على عقل الحاضر، وضعف الإقليم العربي اقتصاديا وسياسيا أمام الأقاليم غير العربية الأخرى المجاورة والبعيدة.. فإن الأحاديث الجانبية بين الحاضرين، قد تناولت معوقات الإصلاح في مستوياته المختلفة في دول عربية بعينها.
وقد كان هناك اعتقاد عند البعض بأن الإصلاح كعملية في أقاليم المنطقة العربية الشرقية والغربية، لا يمكن لها أن تتم وأن تأخذ مساراتها الصحيحة أو أن تأخذ شحنة دافعة في المناطق التي بدأت فيها، دون أن تكون هناك خطوات أساسية وحقيقية في المراكز العربية الرئيسية، وهي مراكز وإن خفت سطوتها السياسية، إلا أن تلكؤها في الصعود يعيق محاولات الآخرين.
وقد يكون الفهم الصحيح في أن النهوض لا يمكن أن يتم إلا بأجياله الجديدة، وأنه كذلك لا يمكن أن يتم إلا بمقولاته الأساسية المعاصرة: السياسية والاقتصادية. فنحن لا نستطيع أن نخترع المُخترع، إلا أن بإمكاننا أن نضيف عليه، لا أن نفرغه من مضامينه الأساسية والحقيقية. وقد تكون مسألة الأقلمة هذه أحد المداخل، إلا أن ما نسميه هنا بأقلمة في الحالة العربية، لا يعدو كونه تفريغا لهذه النماذج من مضامينها الجوهرية.
فعندما قررت الصين الاشتراكية أن تحقق صعودا اقتصاديا، لم يسعفها إلا تبني مداخل الصعود هذه كما هي في نظام السوق، وأن الأقلمة والتكييف الصيني لها لم يأتيا بالتالي على عناصرها الجوهرية.
وقد ساعد الصين كما ساعد دول الجوار الأخرى الآسيوية، نجاح النموذج الياباني الذي كانت تأثيراته واضحة في النماذج الآسيوية الأخرى الجديدة، وإن حملت بعض ما قد يسمى بالصفات المحلية القطرية لهده الأمم الآسيوية.
فالنهوض الياباني المبكر على صعيديه السياسي والاقتصادي، قاد العربة الآسيوية لمحطة أخرى من النهوض المماثل في الأقاليم الآسيوية، وإن تأخر السياسي عن الاقتصادي في الحالة الصينية مقارنة بالحالات الآسيوية الأخرى، فذلك لا يعني أن متطلب الإصلاح السياسي لن يجد طريقه للحالة الصينية.
وإذا ما كانت الصين قادرة على تجاوز سؤال الشرعية فيها بما تحققه من نهوض وصعود اقتصادي، فإن تجاوز هذه المعضلة في الحالة العربية قد يتطلب قدرة، بل جرأة على تجاوز الأساليب العتيقة في صناعة القرار في المنطقة العربية.
بمعنى آخر؛ إن انتهاء صلاحية الأشكال القديمة في الشرعية، والتي كان قائما عليها جل الأنظمة العربية إبان الحقب الماضية، قد يتطلب وبشكل جديدي وملح الأخذ بالمداخل الحديثة في الشرعية، لإعادة الحيوية لحالة المجتمع العربي المترهل والمثخن بجراحه والمثقل بآلامه.
فدون الأخذ بما تخرج به حقيقة صناديق الاقتراع، وإن كان مؤلما في بعضه لبعض الأنظمة العربية، فإن استمرارية الممارسة والعقلية القديمة في صنع القرار العربي، لن تأخذ المنطقة خطوة للأمام، بل لن تصنع «المستقبل المشرق» الذي تتحدث عنه أجهزة إعلامنا الرسمي.
وقد لا أكون متجنيا إذا قلت إن المنطقة العربية في عمومها، مقارنة بأقاليم شرق آسيا وجنوبها وبأقاليم ناهضة جديدة في أميركا الجنوبية كالبرازيل وغيرها، قد عجزت في نماذجها القائمة عن تحقيق صعود حقيقي في مختلف نماذج الحياة الاقتصادية والسياسية والثقافية.
إنها حالة، كما يقول المفكر المصري احمد كمال أبو المجد، لا يمكن لها أن تتجاوز حالتها الراهنة إلا بشرط استرداد الأمة في المنطقة العربية لعقلها؛ أي أن يكون العقل هو أساس ما تصنعه الأمة، في التعليم والاقتصاد والمجتمع والثقافة والسياسة. كما أن إطلاق ملكات العقل لا يمكن لها أن تتم، إلا في وجود مساحات أكبر من الحريات غير المقيدة والتي تعطي الإنسان في هده المنطقة إنسانيته.
كما أن هذه الإنسانية لا يمكن لها أن تقوم وتستقوي في أفراد مجتمعاتنا، إلا بعنصري العدالة والكرامة. وهذه شروط غير مكتملة في الكثير من المواقع العربية. وعندما تستطيع المجتمعات العربية تحقيق ذلك فإن حالة الاشتباك القائم، بشكل بائن أو مستتر، بين الدولة والمجتمع، وبين المجتمع والمجتمع في الحالة العربية، ستعلن نهاياتها.
كاتب بحريني