لم نعد نسمع أي صوت من قبل المثقفين العرب تجاه سياسات إدارة أوباما العدوانية، التي لم تختلف عن سياسات إدارة سلفه بوش عنفاً وقتلاً وتدميراً ونفاقاً. هؤلاء الذين علت حناجرهم بالتهليل لأوباما، وكتبوا آلاف المقالات تحية له وللنظام الأميركي العتيد، الآن أذن من طين وأذن من عجين. واللافت للنظر هنا أن النقد دائماً ما يأتي عبر المثقفين الغربيين، وليس عبر المثقفين العرب الذين لهم حساباتهم الخاصة، وأحياناً الخاصة جداً.
ففي الأسبوع الماضي انضم نحو 2000 شخص في الولايات المتحدة الأميركية من النشطاء والمثقفين الليبراليين، من أجل نشر إعلان مدفوع يتهم الرئيس الأميركي بانتهاك حقوق الإنسان واقتراف جرائم الحرب. جاء الإعلان تحت عنوان «الجرائم هي الجرائم بغض النظر عمن يقوم بها»، وسوف يظهر الإعلان في مجلة النيويورك لمراجعات الكتب، مصحوباً بصورة تجمع بين أوباما وسلفه جورج بوش.
اتهم الإعلان الرئيس أوباما بأنه يستكمل جرائم الحرب التي بدأها سلفه الرئيس بوش، وبشكل خاص في كل من العراق وأفغانستان، إضافة لمسائل الأمن الداخلي في الولايات المتحدة. ومن بين الموقعين على البيان نعوم تشومسكي عالم اللغويات الأميركي المشهور، والممثل الشهير جيمس كرومويل، والممثل مارك رافالو، والناشطة المعروفة ضد حرب بوش سيندي شيهان.
يأتي على رأس انتهاكات الرئيس أوباما تفويضه القوات الأميركية بقتل الشيخ أنور العولقي، اليمني الأصل والحامل للجنسية الأميركية، والمتهم بأنه على صلة بتنظيم القاعدة في اليمن. وهي تهم نفاها العولقي نفسه، ولا توجد أية أدلة قاطعة عليها.
ويرى البيان أن هذه الممارسات تعتبر أكثر سوءاً مما قامت به إدارة بوش السابقة، بسبب ادعاء أوباما الحق في اغتيال مواطن أميركي، لمجرد الاشتباه في علاقته بتنظيم القاعدة من قبل وكالة المخابرات الأميركية، وهو أمر لم يقم به بوش طوال فترة حكمه.
والواضح هنا أن أوباما أصبح يستند إلى الشبهات، ويتجه لتصفية الخصوم، والخطورة في هذا السلوك أنه يفتح الباب واسعاً أمام اغتيالات وعمليات تصفية لا تنتهي، إضافة إلى عدم مشروعية ذلك وعدم توافقه مع القوانين الدولية.
وانتقد البيان إدارة أوباما لعدم قيامها بتجريم أي عضو من نظام الرئيس السابق جورج بوش، المتهمين بجرائم الحرب، بما في ذلك الجرائم التي أصبحت معروفة والتي قامت بها شركات الأمن في العراق، إضافة إلى جرائم التعذيب التي اعترفت بها الإدارة الأميركية ذاتها.
ويكشف البيان عن المذابح التي اعترفت بها الولايات المتحدة، وبشكل خاص في أفغانستان، ومن بينها تلك التي حدثت بالقرب من مدينة غارديز في الثاني عشر من فبراير هذا العام، حيث قُتل خمسة مدنيين من بينهم امرأتان حاملان، وقد يتمت المجزرة 16 طفلاً.
كما بين كذب القوات الأميركية التي أعلنت بداية أن الرجلين اللذين ماتا كانا من المتمردين، وأن المرأتين قُتلتا بسبب جرائم الشرف، ولكن وفقاً لشهود العيان فقد ثبت أن القوات الأميركية قتلت الرجلين وهما محامٍ ورجل شرطة، ثم قامت بقتل المرأتين وإخفاء الأدلة.
وهو أمر أدى بالمسؤولين الأميركيين للاعتراف بمسؤولية القوات الأميركية عن قتل أفراد الأسرة في ما بعد. كما أشار البيان إلى أن ادعاءات السلطات الأميركية بمصرع ثلاثة من سجناء غوانتانامو عام 2006 بسبب الانتحار كان كذباً، حيث ثبت هذا العام أنهم قتلوا تحت وطأة التعذيب.
إن الهدف الرئيس من هذا البيان هو التأكيد، أولاً، على أن الرئيس أوباما قد تناسى كلية الأسس والمبادئ التي دعا إليها قبل وصوله لسدة الحكم. فالمبادئ التي كررها أثناء حملته الانتخابية، لم تعد لها أهمية هنا بالنظر لما تقوم به إدارته من قتل يومي في أفغانستان.
فالطائرات من دون طيار تحلق يومياً في أي مكان في أفغانستان، مخلفة وراءها عشرات الضحايا من المدنيين، إلى الحد الذي لم تعد فيه إدارة أوباما تعتذر عن هؤلاء الضحايا، مبررة ذلك بالسعي وراء أعضاء القاعدة. والأمر الثاني أن ادعاءات أوباما السابقة، لم تعد تمنحه أي قبول جماهيري مثلما كان الحال في ما سبق. وما تستر وراءه أوباما طوال المدة الماضية من حكمه من ادعاءات لا يمتلكها، وربما لا يؤمن بها، قد انكشف الآن على يد المثقفين الأميركيين.
إن الخطورة في مثل هذه التصرفات الخفية والمعلنة، أنها تضع الولايات المتحدة فوق القانون الدولي وتمنحها حرية التصرف بمعزل عنه، كما أنها وضعية تمنحها التصرف أينما شاءت، بما في ذلك حق الاعتداء على الدول ذات السيادة. أليس من الغريب أن يصدر هذا البيان من قلب أميركا، ولا يحرك المثقفون والنشطاء العرب الذين هللوا لأوباما ساكناً؟!
كاتب مصري
salehabdelazim@hotmail.com