ستجد الصين والهند نفسيهما وقد فقدتا ميزتهما النسبية، كونهما تعتمدان في نهضتهما الحالية على العمالة الرخيصة، في غضون عقود قليلة قد لا تتجاوز الثلاثة. هذا ما خلص إليه مدير جامعة ييل الأميركية العريقة ريتشارد لِفن، في بحث نشره في الدورية المرموقة «فورن أفيرز» في عددها الأخير، يدور حول الجامعات الآسيوية وسعيها نحو احتلال المراتب العليا في سلم جامعات الدرجة الأولى العريقة.
ولعل هذا السبب قد دفع البلدين، وقبلهما اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، وربما سنغافورة، إلى الاهتمام بتطوير التعليم الجامعي، أو على وجه أدق التعليم ما بعد المرحلة الثانوية. فالحاجة إلى العمالة الماهرة تزداد بتقدم الاقتصاد ودخوله في مرحلة الإنتاج النوعي.
في العام 1960 لم تكن تمثل نسبة الذين هم في عمر التعليم الجامعي ومنخرطين فيها، إلا نسبة ضئيلة في اليابان (9%) وكوريا (5%)، لتقفز إلى 42% في الأولى و50% في الثانية في عقد التسعينات.
أما الصين فقد ظلت إلى التسعينات بمقام بنغلادش وبوتسوانا في ما يخص الالتحاق بالجامعة، ثم من عدد لا يتجاوز المليون طالب في العام 1997، قفز الرقم إلى خمسة ملايين ونصف المليون طالب بعد عقد واحد فقط. وزادت الجامعات والمعاهد العليا من 1022 إلى 2263 في نفس الفترة.
هذا التطور المذهل كان بفضل تخصيص القيادة الصينية نحو 5 .1% من إجمالي ناتجها المحلي، لتطوير التعليم العالي. وتحاول الهند زيادة نسبة المنخرطين في التعليم الجامعي من 12% حالياً إلى 30% بحدود العام 2020. والطريق طويل أمام هذه البلدان للحاق بالمعدل الأميركي الذي يضاهي 82%.
وتحاول الدول الآسيوية الارتقاء بجامعاتها إلى مستويات جامعات الدرجة الأولى، حيث إن واحدة منها (جامعة طوكيو) تأتي في المرتبة الخامسة والعشرين من سلم أرقى الجامعات في العالم. وتركز الصين على تسع من جامعاتها في مسعاها هذا، من ضمنها جامعة بكين التي يزيد عمرها على المئة عام.
ولقد اقتضى مرور قرون طويلة على جامعتي هارفارد وييل، كي تتساوى وتتجاوز جامعتي أكسفورد وكامبريدج، أما جامعتا ستانفورد وشيكاغو (تأسستا في العام 1892)، فقطعتا طريق «المرتبة الأولى» في وقت أقصر بكثير، وهو نصف قرن فقط. ويتنبأ كاتب البحث لِفن، بأن الجامعات الآسيوية، بالذات في الصين، ستحوز على هذه المرتبة في حوالي منتصف هذا القرن.
والصعود في مدارج التعليم العالي (وهو ضرورة اقتصادية حتمية) لن يأتي مجاناً، فقد أنفقت الولايات المتحدة على ذلك الكثير، وما زال إنفاقها على البحث العلمي يفوق سبعة أضعاف ما تنفقه الصين.
وقد وضعت الولايات المتحدة نظاماً لتمويل الأبحاث، بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، وهذا النظام ما زال قائماً، وهو يعتمد على تبني الدولة بشكل أساسي لتمويل البحث العلمي، فضلاً عن تقديم الدعم لكل من يتقدم بمشروع بحث جدي وجديد، وتكون مختبرات ومراكز الجامعات مجالاً لتلك البحوث.
وتحاول الدول الآسيوية تبني ذلك النظام، حيث درجت العادة عندهم على أن يذهب التمويل لكبار الأساتذة، وهم بدورهم يقومون بإنفاقه على الأبحاث التي يرون أنها جادة ومفيدة. والأمر لا يتوقف على هذه الناحية، بل يتعداها إلى استقطاب هيئة تدريس على مستوى عالمي، بتوفير سبل المعيشة الكريمة لها، بالإضافة إلى الجو العلمي الهادئ لكي ينتجوا.
ومن الملاحظ أنه قبل تسعينات القرن الماضي، كان يعود 10% فقط من المبتعثين الصينيين الحاصلين على شهادة الدكتوراه في مجال الهندسة والعلوم من الجامعات الأميركية، وهذا الرقم في ازدياد الآن. والهند أقل نجاحاً في هذا المضمار، وإن كانت تحاول، حيث تمتلك الآلاف من العقول المهاجرة في شتى التخصصات العلمية.
وتحاول الصين أن تصل بإنفاقها على البحث العلمي إلى نسبة 5 .2% من إجمالي ناتجها المحلي، بحلول العالم 2020. والحق، أن هذا الاهتمام بالعلم والعلماء قد أخذت تبرز مظاهره في عدد الأبحاث التي ينشرها العلماء الصينيون في الدوريات الرائدة عالمياً في العلوم والهندسة، فبين 1995 إلى 2005 ضاعف هؤلاء عدد ما نشروه إلى أربع مرات، حيث أضحى لا يتفوق عليهم في النشر العلمي إلا علماء الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا واليابان.
وثمة توجه قوي أيضاً في الدول الآسيوية نحو تغيير أساليب التدريس القائمة على التلقين، إلى الأسلوب القائم على خلق التفكير الحر المبدع، وهو المدخل الطبيعي لتشجيع الابتكار. وأيضاً الابتعاد عن «التخصص الدقيق» الذي يضيق من أفق الطالب، والتحول إلى نظام التنويع والتداخل بين المواد، وجعل السنتين الأوليين سنتين عامتين، يدرس فيهما الطالب مواد كثيرة قبل أن يذهب إلى تخصصه الدقيق.
ولعل في هذا الحديث عبرة لنا، فمن غير الاهتمام بالتعليم العالي وإتاحته لأكبر عدد من شبابنا العربي، فضلاً عن تشجيع البحث العلمي والصرف عليه بسخاء، والاهتمام بالأستاذ الجامعي المتميز، وهو «عملة نادرة»، فإننا لن نستطيع أن نخطو الخطوات الضرورية للحاق بالأمم المتقدمة.
كاتب وأكاديمي كويتي
alyusefi@hotmail.coma