انعقد لقاءان فكريان، خلال الايام القليلة الماضية، كان مركز الاهتمام ومحور التركيز فيهما: تفاعل الثقافات الإفريقية ومستقبل العروبة. وتحول اللقاءان إلى نقاش ساخن حول العلاقات العربية مع إفريقيا في المستقبل القريب.
ولا أدري هل يعود هذا الاهتمام المتزايد بتشابك العلاقات العربية ـ الافريقية، إلى إدراك متأخر لمصالح عديدة وعميقة مشتركة، أم إلى محاولة صادقة لاكتشاف الذات؟ وكان اللقاء الأول هو مؤتمر: تفاعل الثقافات الإفريقية في عصر العولمة.
والذي نظمه المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة (10 إلى 13 مايو 2010). أما الثاني فقد كان مؤتمر: العروبة والمستقبل، برعاية رئيس الجمهورية السورية ومثلته الدكتورة نجاح العطار مستشارة ونائبة الرئيس. وكان اللقاء في دمشق من 15 حتى 19 مايو 2010.
وفي محاولة البحث عن تفاعل الثقافات الإفريقية، كان لا بد أن تتقاطع أولا مع الحضارة العربية. وفي المؤتمر الثاني وحين تساءلت العروبة عن مستقبلها، وجدته يتشابك ايضا مع إفريقيا جغرافيا وتاريخيا وحضاريا. وكان الحضور في المؤتمر الأول إفريقيا في الأساس، ولكن وجود شمال إفريقيا العربي كان قويا. ورغم أن المشرق ممثلا في سوريا يبدو بعيدا مكانيا عن إفريقيا، ولكن حين تكرر سؤال الهوية وما هي العروبة؟ لم يستطع أحد إبعاد الأفريقانية.
حاول المؤتمرون استشراف المستقبل، ولكن ثقل التاريخ في الحالتين كان قويا. فقد انشغل الجميع بسؤال الهوية، وهو في الأصل مسألة ماضوية وبحث في الثبات والجوهر. وكثرت عناوين الاوراق المرتبطة بالهوية في المؤتمر الأول، مثل: مفهوم الهوية الثقافية، الثقافة والهوية، الدين والهوية ـ دروس التاريخ المنسية، صراع الهويات في إفريقيا.
تحديات الهوية الوطنية في إفريقيا، إشكاليات الهوية في جنوب إفريقيا، اللغة والهوية في إفريقيا ما بعد الاستعمار، مسألة الهوية في المسرح والسينما الإفريقيين، اللغة والهوية، الإسلام والهوية الوطنية، وغيرها من العناوين القريبة من ذلك.
ولكن المثير في المؤتمر الثاني، هو أن سؤال الهوية العربية عاد بنا إلى التساؤل حول العروبة ذاتها، بعد كل هذه السنين. فقد كتبت أوراق عن: نشأة العروبة وتطورها، العروبة والأمة، العروبة والوعي التاريخي، العروبة الحضارية، آفاق العروبة الثقافية، مفهوم العروبة واللغة... الخ. وهكذا تكاد تكون كل الأوراق قد عادت إلى الأسئلة البدهية الأولى.
وفي إطار البحث عن المشترك، قدم الاستاذ حلمي شعراوي، ورقة مشوقة وشديدة الأهمية، بعنوان: تراث مخطوطات اللغات الإفريقية بالحرف العربي (العجمي). والورقة نتاج مشروع لجمع مخطوطات اللغات الإفريقية، وهي ثماني لغات مختلفة مكتوبة باللغة العربية. وهذه اللغات من مناطق متباعدة في إفريقيا، أي ليست كلها ذات حدود مباشرة مع مناطق عربية.
وهي نصوص في لغات وثقافات الملاغاش، والسواحلية، والهوسا، والولوف، والفولانية، والماندنغ، والبامبارا، والتماشكية. ويظهر هذا المشروع علاقات متداخلة بين بحوث التاريخ الاجتماعي والثقافي للهويّة الإفريقية من جهة، وتاريخية العلاقات العربية الإفريقية من جهة أخرى. وتواريخ الشعوب إفريقية كانت أو عربية، ليست مجرد حقائق جامدة، لأنها عاشت على مدى عشرات القرون من التفاعلات والامتدادات.
ورغم وفرة كتب الرحالة العرب في إفريقيا وعن إفريقيا، وكتب التراث الإفريقي المكتوب بالعربية، فقد ظل الاهتمام قليلا بهذا الجانب الثقافي الحيوي، وقد لعب التشويه الاستعماري دورا كبيرا في خلق هذا التباعد.
قدمت الاستاذة منى طلبة ورقة عنوانها: العربية.. لغة إفريقية.
وتقول فرضيتها الاساسية، بخروج اللغة العربية من جزيرة العرب منذ أكثر من ألف عام، وامتدت شرقا وغربا، وعرفت في كل منطقة توطنت فيها مصيرا خاصّا، إذ تفاعلت مع الثقافة الحاضنة لها تأثرا وتأثيرا. وصارت اللغة الأم لجزء من سكان شمال إفريقيا، وعبرت شعوب تلك الأجزاء عن ثقافاتها من خلال اللغة العربية.
وفي مناطق أخرى أخذ التفاعل اللغوي شكلا آخر، فقد أسهمت في تكوين لهجة وسيطة مشتركة بين مجموعات سكانية تتحدث لغات مختلفة. وتضيف لما تقدم في ورقة الاستاذ حلمي شعراوي، أن الحروف العربية كانت تمثل أولى محاولات نقل الثقافة الإفريقية من الشفاهية إلى الكتابية.
يصلح العرض السابق كمدخل سهل يعيدنا إلى مؤتمر العروبة ومستقبلها. فقد لفت نظري في هذا المؤتمر، التركيز القوي على الجوانب الحضارية والثقافية في العروبة. وتكرر خلاله القول بأن العروبة ليست بأب أو أم، إنما العروبة هي اللسان، فكل من تحدث العربية فهو عربي. ويقول الدكتور حسن حنفي: والعرب إما عاربة أو مستعربة.
ليست العروبة جنسا أو عرقا ثابتا له جينات خاصة، بل هو جوهر متحرك يتجلى في اللغة والثقافة، في الفن وفي الدين. الخليل بن أحمد واضع علم العروض وسيبويه واضع علم النحو عربيان، والفارابي وابن سينا عربيان، والرازي الطبيب والرازي الفيلسوف عربيان. وكل الذين عربوا من أقوام أخرى، أكراد وتركمان وأتراك وبربر عرب.
وأكد كثير من الباحثين على رفض ما يمكن أن يكون «ماهية عربية»أو خاصة بالعرب. وهنا يبرز دور الرابطة الدموية وعلاقة النسب، وهذه علاقة وهمية ـ كما يقول ابن خلدون ـ لأن النسب له وظيفة رمزية وإن كانت ذات أثر مادي: تحقيق النعرة التي بها تكون العصبية (عبد الإله بلقزيز).
وهنا واجهت المشاركين معضلة كيفية التعامل مع المجموعات الإثنية غير العربية التي تعيش في أقطار عربية، مثل: الأكراد، والبربر، والجنوبيين وغيرهم من المجموعات. وظهرت اتجاهات عدة كلها تبدو عليه الخشية من تفتت الدول القطرية.
لذلك، رفض البعض استخدام مفهوم «الأقليات «واعتبروه ملغوما ومغرضا، لأنه يسعي ضمنيا إلى مفهوم آخر مرفوض، هو تقرير المصير أو الحكم الذاتي. وكان الاختلاف واضحا بين المشاركين حول وضعية غير العرب داخل الدولة العربية.
وبرز اتجاه يرى التعامل مع هذه المجموعات من خلال حل ديمقراطي يستجيب لمطالب الجماعات الاثنية: الثقافية واللغوية، كمطالب ديمقراطية بعيدا عن مخاطر الانفصال. ولكن يلاحظ أن التوجه العام وسط العروبيين والقوميين، يتسم بالتشكك في نوايا هذه المجموعات، وهذا هو سبب التوتر وتفاقم الاختلاف إلى صراعات مسلحة وحروب أهلية.
شارك المؤتمرون في نقاش مع الرئيس بشار الأسد، وكان حوارا صريحا. وقد أثير سؤال حول موقف العرب من وضع السودان الذي يقف على بعد خطوات من خطر الانفصال؟ ويبدو أن القيادات العربية لم تصل إلى موقف موحد، رغم أن الوضع يحتاج حتى إلى قمة عاجلة.
كاتب وباحث سوداني
ssc_sudan@yahoo.com
