حدثان مهمان هيمنا على المشهد الإعلامي العربي خلال الاسابيع الماضية، كان طبيعياً أن يكونا حديث الوسط الإعلامي العربي، ومحور نقاش في أغلب أحاديث ضيوف منتدى الإعلام العربي الذي انعقد قبل أسبوعين هنا في دبي.
فتوقف صدور صحيفتين، هما «الوقت» البحرينية و«أوان» الكويتية، أثار حواراً وتساؤلات كثيرة حول مستقبل الصحافة الورقية، وإشكالية تمويل المشاريع الإعلامية، ومدى قدرة الصحافة العربية على الاستمرار دون استثمارات حقيقية تساعدها على البقاء.
ولكي يستمر أي مشروع إعلامي ومن ثم ينمو ويقوى ويحافظ على أكبر قدر من استقلاليته، لا بد من وجود ذراعين أساسيين، هما الدعم المالي، والمادة التحريرية القائمة على أسس مهنية تؤسس للمصداقية والاحترام.
التحدي الكبير اليوم هو استمرار ظهور بدائل «إعلامية» جديدة، أكثر جاذبية وأقرب لعقلية الأجيال الجديدة، التي ولدت ونشأت في أحضان تقنية مختلفة تحيط بها من كل اتجاه. هذه التقنيات الجديدة ـ وهي تنطوي تحت مفهوم الإعلام الجديد ـ جعلت مسألة استمرار العمل الإعلامي وفق المفاهيم والأساليب التقليدية، أكثر صعوبة وتعقيداً.
ليس هذا فقط، ولكن ما يزيد من تعقيد المسألة هو أن المنافسة التقليدية على الإعلان اليوم، لم تعد واردة بشكلها القديم، إذ دخل الساحة اليوم منافسون جدد بآليات مختلفة، وربما غريبة على كثير من مؤسساتنا الإعلامية القديمة. فالهاتف النقال والإنترنت يعدان اليوم من أكبر المنافسين على «كعكة» الإعلان عربياً وعالمياً.
ويرافق هذا التغيير الكبير في آليات التمويل وفي المنافسة على الإعلان، تغيير كبير في أدوات وصول الخبر للناس وانتشار المعلومة بينهم، مما يزيد التحديات أمام الصحافة الورقية، ليس فقط في عالمنا العربي، ولكن على مستوى العالم كله.
وهكذا نبقى، على مر العقد الجديد، شهوداً أحياء على نهايات صعبة لكثير من الصحف والمجلات ذات المهنية العالية، في أكثر من مكان في العالم. إنه حدث مؤسف أن تتوقف مطبوعتان حققتا في وقت قصير مهنية عالية، وأسستا لمصداقية صحفية وجرأة مسؤولة في الرأي.
لكن السؤال الأهم، في ضوء تجربة توقف «أوان» و«الوقت»، أي مصير ينتظر كثيرا من الصحف العربية الورقية، إن لم تسرع الخطى لفهم التحولات الكبرى التي تشهدها صناعة الإعلام حالياً؟
إذا كانت صحف عالمية عملاقة، مثل نيويورك تايمز، بدأت تعاني من ضعف مداخيلها وانسحاب كثير من المعلنيين، وبالتالي اضطرت لتسريح المئات من مراسليها وموظفيها، فأي مستقبل ينتظر الصحف الأخرى، سواء تلك التي في أميركا أو التي لدينا في العالم العربي؟
المشكلة ليست في «الأزمة المالية العالمية» ـ كما يحلو للمتعلقين بالإرث العريق للصحافة الورقية تفسير الأزمة ـ لكن المسألة هي باختصار في دخول لاعبين جدد على الساحة، قدموا أشكالا جديدة للإعلام بدأت في سحب البساط من تحت أقدام «الورقي» لمصلحة الإلكتروني..
كيف نزاوج بين التقليد والجديد؟ هنا الحل، وهنا التحدي. لا سبيل أمام مؤسساتنا الصحفية كي تبقى، سوى استثمار خبراتها وفرق التحرير فيها، في تطوير أدواتها كي تدخل عالم الإعلام الجديد.
وإلا فإن أصوات شابة كثيرة دخلت الآن معترك «الإعلام الجديد»، وبإمكانات محدودة وفي ظل ظروف صعبة، ستحقق من الجماهيرية ومن المتابعة والتأثير، ربما أكثر من كثير من تلك المؤسسات الضخمة الغارقة في تفاصيل الأمس والحالمة بعودة مجد لن يعود!
وبقدر استبشارنا بأخبار تؤكد ظهور إصدارات عربية جديدة (مثل النسخة العربية من مجلة فورشن الأميركية) وعودة بعضها بعد غياب مؤقت (فوربس العربية)، فإننا ـ بنفس القدر ـ لا بد أن نسأل الأسئلة الضرورية عن مستقبل النشر الصحفي «الورقي» في العالم العربي.
لماذا اختفت عن سوق النشر العربي مجلات مهمة مثل «المجلة» و«النيوزويك» وصحف يومية مثل «أوان» و«الوقت»؟ وأي مستقبل لمصداقية الصحف الورقية، التي حتماً سيلجأ الكثير منها لدعم حكومي يحميها من إعلان الإفلاس أو الإغلاق كما فعلت «الوقت» و«أوان»؟
وهل سيستمر صديقنا العزيز عثمان عمير، ناشر صحيفة إيلاف الإلكترونية، يترصد المطبوعات الورقية المنسحبة من سوق النشر العربي، محتفياً بكل نهاية للورقي كي يثبت أطروحته القائلة بنهاية الصحافة الورقية على يد الإلكترونية؟
المؤكد، في ظل هذا الزخم من الأسئلة القلقة حول مستقبل الصحافة الورقية في العالم كله، أن المشهد الإعلامي العربي يمر اليوم بتحولات كبيرة، ومستقبل الصحافة الورقية العربية لن يكون ـ في كل الأحوال ـ أحسن حالاً من الصحف الورقية في الغرب وفي الشرق، التي تستعد لإعلان نهاياتها، حتى وإن بعد حين!
كاتب ومستشار إعلامي
hattlan@post.harvard.edu