يعتبر الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، الرئيس المبادر في إطلاق مشروع إنشاء اتحاد متوسطي: أي منظومة حضارية وسياسية واقتصادية وأمنية وثقافية، تجمع بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط شماله وجنوبه، على غرار عملية بناء الاتحاد الأوروبي؛ اندماج لضفتي المتوسط بوساطة الاقتصاد..

وفي 13 يوليو 2008، عقدت القمة الأوروبية ـ المتوسطية في باريس، التي شهدت إطلاق مشروع «الاتحاد من أجل المتوسط»، الذي يبحث عن إقامة منطقة تجارة حرة أوروبية ـ متوسطية، وتعزيز الاندماج الاقتصادي قبل سنة 2010.

لقد أراد الرئيس ساركوزي أن يكون «الاتحاد من أجل المتوسط» بديلاً عن الشراكة المتوسطية التي تأسست في برشلونة في 28 سبتمير 1995، إذ تحول الاتحاد إلى محطة لإنهاض الشراكة، وتحريك مفاصلها التي أصابها التكلس والجمود.

وقال آلان لوروا، الدبلوماسي الفرنسي الذي كُلّف بمتابعة تنفيذ مشروع «الاتحاد من أجل المتوسط»: «إن الأهداف التي نشأ الاتحاد من أجلها لا تزال قائمة»، ثم استطرد قائلاً: «إن الاتحاد قادر على الاضطلاع بدور مهم في التعجيل بالسلام في الشرق الأوسط...».

وكان من المقرر أن تعقد قمة «الاتحاد من أجل المتوسط» يوم 7 يونيو 2010 في مدينة برشلونة الإسبانية، غير أن المتحدث باسم الرئاسة المصرية سليمان عواد أعلن في أثينا التي زارها الرئيس المصري حسني مبارك، أنه تقرر تأجيل القمة إلى شهر نوفمبر المقبل، لضمان «أكبر مشاركة فيها من الجانب العربي»، وذلك بعد إعلان وزير الخارجية الصهيوني المتطرف أفيغدور ليبرمان نيته حضور القمة.

وشهدت العاصمة البلجيكية بروكسل يوم الإثنين 17 مايو الجاري، الاجتماع التحضيري الأول للقمة المتوسطية على مستوى السفراء، بعد أن تم إلغاء اجتماع وزراء الخارجية للبلدان المتوسطية، الذي يسبق القمة، جراء رفض الدول العربية الاجتماع في قاعة واحدة مع وزير الخارجية الصهيوني ليبرمان.

وفي هذا الاجتماع التحضيري، برزت الخلافات التقليدية بين البلدان العربية المتوسطية، والبلدان الأوروبية، حول ملفي الصراع العربي ـ الصهيوني، وحقوق الإنسان.

ففيما كان النقد العربي في الماضي يتركز على اقتصار الدور الأوروبي كممول فقط في عملية السلام الجارية، التي انطلقت منذ مؤتمر مدريد عام 1991، بسبب عجز أوروبا عن انتهاج سياسة مستقلة عن السياسة الأميركية في منطقة الشرق الأوسط.

تفجر الخلاف في الاجتماع التحضيري بسبب «الفقرة السياسية» التي سيتضمنها البيان السياسي لقمة برشلونة، إذ أصرت البلدان العربية على أن يتضمن البيان، المقررات الصادرة عن اجتماع وزراء خارجية الاتحاد من أجل المتوسط في مرسيليا 2008.

والتي تعترف بأن حل الصراع العربي ـ الصهيوني لن يتم إلا عبر «التسوية الشاملة» المستندة إلى قرارات الشرعية الدولية، وإلى المبادرة العربية للسلام التي وردت لأول مرة كإحدى مرجعيات الحل في الوثائق الأوروبية.

إضافة إلى بيان مجلس الاتحاد الأوروبي في اجتماعه يوم 7 ديسمبر2009، الذي انتقد فيه إسرائيل لبنائها المستوطنات في الضفة الغربية، والقدس، والذي أشار فيه أيضا إلى أن الاتحاد الأوروبي «..

لم يعترف قط بضم إسرائيل للقدس الشرقية. ولتحقيق سلام حقيقي، ينبغي إيجاد وسيلة... لحل وضع القدس كعاصمة للدولتين في المستقبل... كما يدعو المجلس الحكومة الإسرائيلية إلى أن تكف عن كل أشكال المعاملة التمييزية ضد الفلسطينيين في القدس الشرقية».

أما الخلاف الثاني، فتمثل في إصرار الجانب الأوروبي، على أن يتضمن بيان قمة برشلونة فقرة واضحة تشدد على ضرورة احترام حقوق الإنسان، وهو ما اعتبرته الدول العربية مسّاً بالسيادة الوطنية.

وتتباين الثقافات السياسية وأساليب الحكم والقيم بين ضفتي حوض البحر المتوسط. والسؤال هنا لا يتعلق باختلاف النظم، بل أولاً باستعدادها لرفع الثقافة الديمقراطية الغربية لمرتبة المثل الأعلى المنشود، وثانياً قدرتها على تطبيق هذه الأنماط الغربية بشكل فعلي.

وحتى إن سلمنا بأن مبدأ الديمقراطية على الطريقة الأوروبية مقبول من جميع الشركاء في جنوب المتوسط، يبقى حق الدول ذات السيادة في تقرير الحاجة إلى تعجيل عملية التحول الديمقراطي، أو إلى إبطائها، أو تقييدها أو حتى تجميدها.

كاتب تونسي

tawfik-m@scs-net.org