تصاعدت حدة التوتر الكلامي في وسط أوروبا مجددا، على خلفية المحاولات التي يقوم بها بعض الأطراف لتأجيج النعرات القومية، لا سيما تلك المرتبطة بمسألة ازدواجية الجنسية والتي يدعو هؤلاء لتكريسها حاليا، في حين يطالب آخرون بنسف الفكرة من أساسها، نظرا لما تتضمنه من مخاطر كثيرة.

ولعلّ أبرز مثال على ما يجري في هذا السياق، هو الجدل المستعر حاليا بين المجر وسلوفاكيا، حيث إن المبادرة التي أطلقها بهذا الصدد رئيس الوزراء المجري الجديد فيكتور أوربان، لم تلق في الجانب الآخر من الحدود إلا الشجب والاستنكار.

لقد أصبحت هذه المشكلة المتوارثة منذ عهود خلت، حجر الزاوية في العلاقة السياسية وربما الاجتماعية القائمة بين البلدين، ولم يغير من واقع الحال حتى التعاون الوثيق القائم بينهما، منذ أن اتخذا قرارهما المصيري بالولوج معا في كافة إفرازات المرحلة السياسية الجديدة التي نشأت بعد انتهاء الحرب الباردة.

فالتعاون القائم في هذا السياق أدّى لانضمامهما معا إلى مجموعة »دول فيشيغراد»، ومن ثم لتحقيق هدفهما السياسي ـ الاستراتيجي المتمثّل بالانضمام إلى حلف الناتو والاتحاد الأوروبي، واستطرادا إلى الانسلاخ كلّيا عن دائرة النفوذ السوفييتي وتاليا الروسي.

لكن يبدو أن جميع هذه التطورات، لم تساهم فعليا إلا بتحقيق الأهداف الشاملة المرتبطة بالمفهوم الجيو ـ سياسي الذي كان سائدا في تلك المرحلة، في حين أن القضايا القومية العالقة قد وُضعت جانبا، دون أن يتم إيلاؤها اهتماما كاملا ومناسبا.

هذا لا يعني بالطبع أن الدول المعنية لم تلامس القضايا المرتبط بالمسائل العرقية والقومية، إلا أن تطورات الأيام الأخيرة أثبتت أن ما كان يجري على هذا الصعيد، كان بمثابة إخفاء غير ناجح لرماد حار قد يشتعل في أية لحظة.

هذه بعض الحقائق التي تبين بالأرقام ما نتحدث عنه: شكّلت الأقلية القومية المجرية في الجمهورية السلوفاكية المستقلة (نشأت في عام 1993)، ما مجموعه 11% من مجمل السكان، في حين بلغت نسبة الأقليات القومية غير السلوفاكية ما مجموعه حوالي 14%.

هذا يعني بالأرقام أن عدد الأقلية المجرية في تلك الفترة قد وصل إلى أكثر من 550 ألف نسمة، من مجمل السكان البالغ عددهم حوالي خمسة ملايين ونصف مليون نسمة.

وبالتأكيد، فإن حقائق إحصائية مثل هذه تتطلب ترجمة فعلية على أرض الواقع، إن كان على صعيد تأمين وصيانة الحضور الاجتماعي، لكن أيضا في ما يخص الرغبة بالمشاركة في صياغة وصنع القرار السياسي.

في البدايات لم تتعد مطالب الائتلاف المجري النيابي في سلوفاكيا (إيغيوتيليس والحركة المجرية المسيحية ـ الديمقراطية) المطالبة بتأمين الأمور الاجتماعية والتربوية العادية: بناء أو توسيع المدارس والجامعات الناطقة باللغة المجرية، اعتبار اللغة المجرية لغة رسمية في المناطق المختلطة، وغير ذلك من الأمور البسيطة.

ويمكن القول إن نسبة الجموح المجري كانت ملزمة بالانضباط ضمن تلك المطالب المتواضعة، لا لشيء سوى أن الاندفاع القومي السلوفاكي المتشدد كان متعاظما في تلك الفترة، في ظل نجاحه في تكريس مبدأ قيام جمهورية سلوفاكيا المستقلة القابلة للاستمرار والتطور. وهذا كان في الواقع حلما أراد السلوفاكيون تحقيقه وصيانته بأي شكل من الأشكال.

بعد ذلك بقليل، وفي سياق جهودهما المشتركة للتقرب من الهيئات الأوروبية واليورو أطلسية، حاول الطرفان تذليل الخلافات التي كانت لا تزال قائمة، من خلال توقيع معاهدة توافق ضمن إطار مؤتمر معاهدة الاستقرار، بحيث فازت سلوفاكيا بضمانة الحماية الدولية لحدودها القائمة، شرط أن تضمن في المقابل احتراما كاملا لحقوق الأقليات القومية وفي مقدمتها المجرية.

لكن كما كان متوقعا، فإن الخلافات الكثيرة القائمة أدّت إلى عدم الالتزام كليا بما تم التوافق حوله، وبالتالي إلى تأخير عملية انضمام سلوفاكيا إلى الاتحاد الأوروبي.

ورغم التقدم البارز الذي أحرزته سلوفاكيا في الأعوام التالية على صعيد تأمين حقوق الأقلية المجرية، إلا أن الموضوع كان يبرز مجددا بين وقت وآخر، إن كان ضمن سيناريو قومي سلوفاكي متشدد، أو ضمن صياغة أخرى مماثلة على الجانب المجري.

ويبدو أن الكرة باتت اليوم في الملعب المجري، في ظل الانتصار الكبير الذي حققته القوى القومية المتشددة في الانتخابات الأخيرة، واعتمادها على كثير من الشعارات ذات الطابع الاستفزازي، التي قد تنقل حالة المراوحة القائمة إلى وضع أكثر خطورة.

وهذا بالتحديد ما بات يحذر منه كثيرون، لأن تطورات الأيام الأخيرة أظهرت ميولا لدى الطرفين للجنوح نحو لغة أكثر عنفا، مع تصاعد الحملات الانتخابية البرلمانية المعتمدة تحديدا على إثارة تلك النعرات القومية.

ولعلّ أبرز ما يشير إلى تلك الحالة الخطيرة، هو التراشق الإعلامي القائم بين رئيسي وزراء البلدين بخصوص مسألة تعميم ازدواجية الجنسية من خلال قانون خاص، بحيث ترى فيه المجر أملا سيساهم في تقريب أبنائها الموجودين في الشتات، في حين تعتبره سلوفاكيا بمثابة »قنبلة موقوتة«ستفجر الأمور في أوروبا بأكملها، كما قال حرفيا رئيس وزرائها روبرت فيتسو.

لا شك أن الخلاف المستجد لن يكون الأخير، فالمعطيات المتوفرة وحقائق التطور التاريخي الحديث، تثبت بما لا يدع مجالا للشك أن العلاقة بين البلدين ستبقى محكومة بتأثيرات الرماد الحار آنف الذكر، والمختبئ ربما تحت سطح رقيق من الرمال المتحركة.

وإذا أخذنا بعين الاعتبار مطالب المتشددين في كلا الجانبين، سنرى حتما أن حالة الكراهية الشديدة القائمة لن تجمّلها أو تخفف من وطأتها حتى العبارات الدبلوماسية المنمّقة، وستبقى ماثلة في المشهد السياسي، رغم كافة أشكال التحالف القائمة بين الطرفين في الوقت الحاضر.

كاتب لبناني

ezzedine@volny.cz