سوف يكون خطأ فادحاً أن يقف العالم العربي موقف المتفرج من الأزمة الخطيرة التي تواجهها مصر والسودان بشأن مياه النيل. وبغض النظر عن الخلافات العديدة بين النظم العربية، فإن هذه الخلافات لا ينبغي أن تكون مبرراً لترك مصر والسودان يخوضان معركتهما بمفردهما.

ومع تعدد المخاطر أمام العالم العربي والأوضاع المعقدة التي تمر بها المنطقة ومخاطر اندلاع الحروب على خلفية الملف النووي الإيراني، أو تدميراً لأي فرص للسلام من جانب إسرائيل بعدوان محتمل على سوريا أو لبنان أو تصعيداً للموقف ضد الفلسطينيين.

ومع مأساة العراق التي لن تنتهي حتى بانسحاب أميركا وإنما سيبدأ فصل جديد فيها، مع كل ذلك يبقى ملف الأزمة المتعلقة بمياه النيل اكبر من أن يكون قضية مصر والسودان فقط، لأن آثاره ستكون بالغة الخطورة على العالم العربي كله، الذي يعاني منذ أكثر من ثلاثين عاما تراجع دور مصر.

والذي يواجه الآن أشد ملفات التآمر لتحقيق الغياب الكامل لمصر وانكفائها لمواجهة ما يتهددها بانقطاع شريان الحياة عنها، بينما يتم تغيير خريطة المنطقة كلها في غياب العرب وعلى حسابهم، ويتم فرض أمر واقع جديد تتحكم فيه القوى الكبرى والقوى الإقليمية غير العربية من إيران إلى تركيا إلى إثيوبيا مع دور إسرائيلي يزداد ويترسخ!!

يقول التاريخ إنه عندما كانت مصر عبد الناصر تقود الحركة العربية نحو التحرر والاستقلال والوحدة، كانت في نفس الوقت تدرك أن أمنها وتقدمها مرتبطان أيضا بالبعد الإفريقي، وكانت القاهرة مركز كل حركات التحرر الإفريقية.

وبعد استقلال هذه الدول سارت وراء عبد الناصر وهو يقود بناء منظمة الوحدة الإفريقية، ويرعى الخطوات الأولى لبناء هذه الدول من نقطة الصفر.

ومازال محمد فائق المسؤول عن الملف الإفريقي في هذه الفترة يستقبل حتى الآن في الدول الإفريقية التي يزورها استقبال رؤساء الدول تقديراً وعرفاناً بما قدمته مصر في هذه الفترة.

لكن الأمر اختلف بعد ذلك حين وضع السادات 99% من أوراق اللعبة (أو أوراق مصر) في يد أميركا، فكانت النتيجة كامب ديفيد والصلح المنفرد مع إسرائيل والقطيعة العربية. وكانت النتيجة أيضا الخروج من إفريقيا وفتح الباب للتسلل الإسرائيلي، والتفريط فيما بنته مصر علي مر السنين من علاقات وما أقامته من مصالح مشتركة.

وعندما عادت مصر في الثمانينات والتسعينات تحاول استدراك الأمر ولو في دول حوض النيل، كانت الظروف قد ازدادت صعوبة، وكانت العودة علي استحياء، وكانت الأوضاع في المنطقة تختلف وموازين القوى تتغير، والمصالح الأجنبية تخوض حرباً للسيطرة على البترول والمياه والموقع الاستراتيجي.

وكانت المؤامرة لخنق مصر وتقسيم السودان تسير في طريقها، وكانت أنظار العرب تتجه إلى مناطق أخرى يواجهون فيها الكوارث المتتالية من فلسطين إلى لبنان إلى حرب الخليج الأولى إلى مصيبة احتلال الكويت إلى تدمير العراق واحتلاله، إلى مواجهة الإرهاب وانقسام الصف العربي.

والآن، ومع التفجير المتعمد لملف مياه النيل، تواجه مصر قضية حياة أو موت، ولا شك كما قلنا في أن هذا الموقف كان يمكن تلافيه لو كانت هناك سياسة رشيدة تبنى على رصيد مصر في إفريقيا، ولا تبدد هذا الرصيد. ولكن أيضا لا بد من التأكيد أننا كنا إزاء مخطط ثابت يحاول على الدوام عزل مصر عن محيطها العربي ثم الإفريقي.

ويضغط من اجل انكفاء مصر على مشاكلها الداخلية، بدءاً من فرض سياسات اقتصادية أدت إلى توترات اجتماعية شديدة، إلى محاولات لا تتوقف لإثارة الفتنة الطائفية انطلاقا من منظمات تعمل في أميركا وبرعايتها، إلى خلق أوضاع ضاغطة في غزة وفي السودان، ثم أخيراً إلى تفجير قضية مياه النيل بكل مخاطرها.

داخل مصر، ومع الحراك السياسي والصراعات التي تتزايد حول الحاضر والمستقبل، فإن قضية مياه النيل محل إجماع وطني بغض النظر عن الانتقادات التي توجه للأداء الرسمي على مدى السنوات الأخيرة في هذه القضية الأساسية.

لكن القضية لا بد أن يكون بها بعدها العربي الذي يعلو على الخلافات بين الأنظمة، وينطلق من الإجابة عن سؤال أساسي: هل المطلوب أن تنكفئ مصر على نفسها وتواجه مشاكلها كما يريد الأعداء، أم أن مصر الآمنة المستقرة القادرة على الدفاع عن مصالحها هي ضرورة قومية أيا كان الخلاف مع سياسة حكومتها في هذه القضية أو تلك؟

مياه النيل ينبغي أن تكون قضية عربية، ليس من باب دعم موقف مصر وصمود السودان، وإنما لأنها تمس الأمن القومي وتترك آثارها على كل قضايا المنطقة. ولا يعني هذا على الإطلاق الانجرار إلى مواجهة عربية ؟

افريقية، بل العكس هو المطلوب، أن تدرك دول حوض النيل أن اتفاقها مع مصر والسودان يعني الدعم العربي للمشروعات المشتركة التي تحقق مصالح الجميع، وأن تدرك الدول الأجنبية التي تقوم بتمويل مشروعات مشبوهة هدفها فقط الإضرار بمصر والسودان وحجب كميات من مياه النيل عنهما أن مصالحها هي التي ستتأثر في العالم العربي كله إذا واصلت هذا الطريق.

وأن تفهم إسرائيل أنها تلعب لعبة خطرة بالتحريض على مصر في هذه القضية وأن الثمن سيكون فادحاً، وأن مصر لن تتهاون في قضية هي قضية حياة أو موت بالنسبة لها، وأنها لن تكون وحدها، لأن القضية هي قضية أمن قومي للعرب جميعاً.

كاتب صحفي مصري

galal.aref@hotmail.com