لقد كُتب الكثير عن النظام الدولي بعد انتهاء الحرب الباردة ووضعت العديد من التصورات لتشخيص حالته، ولعل أكثر التشخيصات المعبرة عن واقع عالم اليوم هو أن النظام الدولي نظام لا تستطيع دولة واحدة أو مجموعة دول الانفراد بتسيير شؤونه ولا تستطيع الدول الكبرى لوحدها تحديد أطره، وإنما هو نظام أصبحت فيه الدول الصاعدة أو الناهضة تلعب دوراً هاماً في تحديد ملامح منظومته.
فلا أحد يستطيع أن ينكر الدور الذي تلعبه دولة مثل الصين في تحديد أطر النظام الدولي. والتوقعات جميعها تضع الصين كلاعب قوي منافس للولايات المتحدة في المستقبل الغير بعيد.
واليوم تدخل على الطريق دولة أخرى من الدول الناهضة والتي يتوقع لها دور في تسيير شؤون العالم إنها البرازيل التي نجحت في تحقيق ما لم تستطع الدول الأخرى لاسيما الكبرى منها تحقيقه في مجال إقناع دولة كإيران بقبول اتفاق تبادل الوقود الإيراني القليل التخصيب بوقود مستورد عالي التخصيب عن طريق تركيا.
فما لم تستطع واشنطن ومعها الدول الكبرى تحقيقه طوال نحو ثمانية أشهر، نجحت الدبلوماسية البرازيلية في تحقيقه خلال أقل من شهرين منذ بداية اهتمامها الفعلي بالملف النووي الإيراني وقضية تبادل تخصيب الوقود النووي.
دلالات هذا الانجاز الدبلوماسي كبيرة على أرض الواقع، فهي من جهة مؤشر واضح على أن الدول الكبرى صاحبة العضوية الدائمة في مجلس الأمن ليست دائماً قادرة في عالم اليوم على تحقيق ما تريده وليست قادرة على أن تنجز الهدف الموكل لمجلس الأمن تحقيقه حول الأمن والاستقرار الدوليين.
بينما الدول الغير دائمة العضوية في المجلس تستطيع أن تكون مؤثرة وصاحبة قدرة في تحقيق هدف الأمن والاستقرار الدوليين، فدبلوماسيتها لا تقل أهمية عن دبلوماسية الدول الكبرى الدائمة العضوية.
ومن جهة أخرى فإن هذا الانجاز الدبلوماسي أعطى انطباعاً للجميع بأن الدبلوماسية هي الخيار الأمثل لتحقيق السلام الدولي في كثير من القضايا بدلاً من المواجهة وفرض العقوبات التي أصبحت الآن أكثر صعوبة في إقناع الأطراف الدولية على تبنيها بالطريقة التي تود الدول الكبرى أن تخرج بها.
والدلالة الأخرى هي أن البعض قد يعتبر أن ما تم إنما هو رسالة للدول الصغيرة الراغبة في تحقيق أهداف غير مرغوبة من الغرب بأنها تستطيع في عالم اليوم أن تراوغ كيفما تشاء لأنها تعلم بأنها ستجد المجال للنفاد بجلدها من العواقب الوخيمة التي تتوعدها بها الدول الكبرى وذلك بفضل وجود دول تستطيع أن تخلق الفارق كتلك الدول الناهضة والراغبة في أن يكون لها دور في النظام الدولي كالبرازيل والصين.
البرازيل ومنذ تولي الرئيس لويس دي سيلفا - الذي ستنتهي ولايته خلال أسابيع ؟وهي تنظر إلى نفسها على أنها دولة ليست عادية وإنما دولة ذات مكانة عالمية ويجب أن تعامل كذلك.
فهي صاحبة اقتصاد قوي يأتي في المرتبة الثامنة عالمياً وبواقع ناتج قومي يصل إلى 5 .1 تريليون دولار أمريكي في عام 2009، الأمر الذي يجعلها تتبوأ مكانة في النظام الدولي من أجل دفع وضعها الاقتصادي إلى الأمام.
الرئيس البرازيلي لم يكن في يوم من الأيام من المقتنعين بفكرة أن النظام الدولي هو نظام تُسيطر عليه الدول الكبرى الدائمة العضوية في مجلس الأمن وأنه لا حول ولا قوة للدول الأخرى، بل على العكس لقد كان دائماً من المؤيدين لفكرة تعزيز أدوار الدول الصاعدة في السياسة الدولية باعتبارها دولا مؤثرة في النظام الدولي.
فكيف لا وهو القائل بأنه (لم يقرر أحد أن الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا والصين وروسيا هي الدول التي تمثل الروح المشتركة لدول العالم)، بل كان من أكثر الداعين لفكرة انضمام البرازيل كعضو دائم في مجلس الأمن.
هذه الدعوة التي تلقى تأييد الكثيرين حول العالم هي التي جعلت البرازيل تتبوأ مكانة الصدارة في قضايا العالم، فلا أحد يستطيع أن ينسى الدور الذي تقوم به في محيطها الإقليمي في كل من هاييتي وهندوراس من أجل حفظ السلام هناك، وسعيها لأن يكون لها دور في دفع عملية السلام في قضية الشرق الأوسط.
و ها هي اليوم تنجح في الوصول إلى أهم ملف في وجهة النظر الغربية ألا وهو الملف النووي الإيراني وتتمكن بالتعاون مع تركيا من إقناع الرئيس الإيراني بقبول صفقة تبادل الوقود.
و يا لها من مفارقة بأن يأتي الفرج من طرف بعيد كل البعد سياسياً عن المنطقة بل وبعيد كل البعد جغرافيا عنها في الوقت الذي لم تأت جهود مجتمعة لدول حاضره سياسياً في المنطقة كالدول الغربية وجهود دول أخرى موجودة في المنطقة ومقربة من إيران كتركيا وسوريا وقطر نتائجها حول هذا الملف رغم سعيها لفعل شي ما في هذا المجال! ولا حتى نجاح دول كروسيا ولا الصين رغم العلاقات التجارية القوية بينهما! هذا الأمر يثير التساؤل حول سبب نجاح البرازيل في الوقت الذي أخفق فيه العالم في إقناع إيران.
لا يمكن أن يكون عامل العلاقات المشتركة بين البلدين هو العامل الحاسم في إقناع إيران باتفاق تبادل الوقود، حيث أن هناك دولا أخرى أهم لإيران من البرازيل في علاقتها المشتركة معها لاسيما في المجال التجاري ومجال النفط والاستثمارات كالصين التي تعتبر إيران بالنسبة لها ثاني أكبر مصدر للنفط وتعتبر الاستثمارات الصينية في إيران هي الأكبر.
ولا يمكن لمواقف البرازيل الداعمة لحق إيران في امتلاك الطاقة النووية للأغراض السلمية ولرفضها فرض عقوبات على إيران بسبب برنامجها النووي هي الحافز وراء قبول الجهد الدبلوماسي البرازيلي حيث أن هناك دولا عدة تقف ذات الموقف كروسيا والصين الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن لاسيما الصين التي لا تنتقد إيران على الإطلاق كما تفعل البرازيل التي انتقدت وبشدة بعض المواقف للرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد.
لذلك فإن التحليل السياسي يأخذنا إلى اعتبارين هامين قد يكونا هما اللذين أثرا على القرار الإيراني بقبول الوساطة البرازيلية.
أولهما أن البرازيل دولة قد نالت على رضا الرئيس الأمريكي باراك أوباما الذي أعطاها الضوء الأخضر بأن تفتح باب الحوار الدبلوماسي مع إيران، الأمر الذي قد يكون جعل إيران ترى في البرازيل ما لم تراه في دول أخرى.
وثانيهما ربما رغبة من إيران في كسب مزيد من الدول الأعضاء في مجلس الأمن إلى جانبها (البرازيل وتركيا) ضد فرض عقوبات مشددة عليها لاسيما وأنها تود أن لا يخرج أي قرار يصدر من مجلس الأمن بدعم كامل من جميع الأعضاء حيث أن ذلك فيه تعزيز لفكرة الولايات المتحدة بأن الجميع ضد إيران.
جامعة الإمارات
binhuwaidin@hotmail.com
