يدور الحديث عن الملاحة الفضائية وعن الدراسات الحديثة في هذا المجال عن التعاون الروسي الدولي في هذا المضمار، وعن رحلات غير مأهولة إلى الكواكب البعيدة بما في ذلك إلى المريخ.
منذ عام 1961 وحتى الآن قامت روسيا بأكثر من مائتي تحليق مأهول وتعود لرواد الفضاء الروس أرقام قياسية من حيث الوقت الذي أمضوه في الفضاء الكوني و من حيث طول مدة المكوث في المدار حول الأرض وقد تجاوز إجمالي تحليقات رواد الفضاء السوفييت والروس 18000 ساعة واعتبارا من سنة 1966 بدأ الاتحاد السوفييتي بتطوير التعاون الدولي في دراسة واستخدام الفضاء الكوني للأغراض السلمية.
وفي إطار برنامج «إنتيركاتموت» للتعاون الدولي في الفضاء أطلقت عشرات الأقمار الصناعية العلمية وخلال الفترة من عام 1978وحتى عام 1988 تم تنفيذ 14 تحليق مشترك بقيادة رواد الفضاء السوفييت مع رواد فضاء من الهند وسوريا وأفغانستان ومنغوليا وكوبا والدول الاشتراكية الأوروبية السابقة وفي الوقت الحاضر تحتفظ روسيا بمكانة الدولة الرائدة في الفضاء الكوني، وتتطور فيها السياحة الكونية بسرعة كبيرة وتوضع برامج فضائية جديدة ومنها تحليقات مأهولة علما بأن عدد أعضاء النادي الكوني العالمي يزداد من عام لآخر.
فبعد روسيا والولايات المتحدة باتت الصين من أعضائه، ثم يأتي دور بناء محطة كونية صينية. كما توجد لدى دول أخرى برامج لتحليق رواد الفضاء بصورة مستقلة، وقام البرلمان الهندي بتمويل عمل المنظمة الهندية للدراسات الكونية لتحليق رائد فضاء هندي في عام 2008كما أعلنت اليابان مؤخراً أنها تستعد لإرسال رائد فضاء إلى القمر عام 2025.
منذ عام 1969 حين حط رائدا الفضاء الأميركيان على سطح القمر لم تجر محاولة أخرى لاختبار هذا الكوكب، إلا أن البرامج القمرية استعادت أنفاسها في بداية القرن الحادي والعشرين وقد أعلنت الولايات المتحدة أولا عن نيتها في إرسال سفينة مأهولة إلى القمر وهي تريد إنزال رواد الفضاء على سطح القمر سنة 2020 على أن تبني بعد ذلك محطة دائمة هناك.
كما تنوي الوكالة الكونية الأوروبية إرسال رواد الفضاء إلى القمر في الفترة ما بين عامي2020 و 2025 وتعمل في وضع برامجها القمرية كل من الصين والهند واليابان، وروسيا أيضا تعالج خططا لاستثمار سطح القمر، ففي العام 2010 تنوي روسيا إرسال مركبة اوتوماتيكية غير مأهولة الحمولة من أصل 5 مركبات من هذا النوع إلى القمر.
كما تنوي بناء قاعدة علمية دائمة هناك في فترة أقصاها عام 2015 ولدى روسيا خطة واسعة لاختيار كوكب آخر من كواكب المنظومة الشمسية هو المريخ ففي إطار تنفيذ برنامج المريخ 500 تبدأ في نهاية العام الحالي تجارب أرضية تشبه تحليق مركبة مأهولة إلى الكوكب الأحمر.
وفي مجمع مختص يصار إلى محاكاة كاملة تقريبا لتحليق المركبة وسيتعين على المشاركين في التحليق أن يقضوا نحو 520 يوما في عزلة تامة عن العالم الخارجي في ظروف انعدام الوزن بشكل كلي تقريبا وفق نسبة كبيرة من الإشعاعات، والمرحلة التالية من المشروع هي تحليق المركبة المأهولة إلى المريخ من دون نزول طاقمها على سطحه والمرحلة الختامية هي البعثة النهائية إلى المريخ على أن تتم في الفترة ما بين عام 2020 وعام 2030.
المريخ ذلك الكوكب الذي يحمل اسم اله الحرب في الميثولوجيا الرومانية «مارس» مليء بالأسرار من قديم الزمان. لونه المائل إلى الحمرة يسحر الأبصار ويجتذب الناس في كل الأمصار. تضاريس سطحه أشبه بالتجاعيد. على وجه محارب صنديد تركت فيه المعارك ندوبا وأخاديد.
ظل المتفائلون من العلماء يحلمون سنوات طويلة بالتحليق إلى المريخ مثلما كان متسلقو الجبال يحلمون في حينه بتذليل أعلى القمم التي لم تطأها قدم إنسان. لكن المتشائمين ما زالوا يتساءلون: ما حاجة أهل الأرض إلى المريخ بعيد المنال.
يقوم معهد القضايا الطبية والبيولوجية والوكالة الأوروبية للفضاء الكوني بتجربة هامة على ثلاث مراحل تسمى مشروع المريخ 500 والهدف منها نمذجة التحليق إلى المريخ والكشف عن مشاكل التلاؤم النفساني بين الناس في ظروف التحليق الطويل الأمد والتثبت من شبكات أجهزة المركبة الفضائية.
وقد أعد في المعهد نموذج للمركبة مع ساحة غير كبيرة تقلد تضاريس كوكب المريخ. ويعمل في المركبة طاقم من ستة أشخاص.مع تطور علم الملاحة الكونية تغدو الرحلات المرتقبة الطويلة الأمد على المركبات الفضائية أمر واقع.
فالمحطات الأوتوماتيكية غير المأهولة التي حلقت إلى المريخ زودت العلماء بصور فوتوغرافية لهذا الكوكب وتابعَيه ديموس وفوبوس وكذلك تضاريس سطحه. ولكن ما من تقنية تستطيع أن تكون بديلا عن الإنسان. ولذا فإن مسألة إرسال البشر إلى المريخ ستكون من أجندة الساعة آجلا أم عاجلا.
