إن المتابع لما يجري في العالم في هذه الأيام يصاب بخيبة الأمل، وربما تجعله يبتعد عن كل وسائل الاتصال بهذا العالم، سواء في عمقه العربي أو الإقليمي، وربما العالمي، من الواضح أن تلك الوسائل مصممة على خلق روح عدم الاستقرار لدى الإنسان، مجازر في كل مكان، من قتل الأبرياء، بوسائل القتل المختلفة، إلى إبراز أن الإنسان في الكثير من بقاع العالم، يتعرض إلى الهلاك من خلال قوى لا هم لها إلا البقاء في السلطة، أو تنفيذ مخططاتها.
أو الحفاظ على الهيمنة ونهب الخيرات والسيطرة الاقتصادية وفتح الأسواق، وكأن شيئاً في العالم لم يتغير منذ الحرب العالمية الثانية، حيث اندلعت الحرب (بعيداً عن الأسباب المباشرة) بسبب الصراع على الأسواق بين الاقتصادات القوية الناشئة (ألمانيا) والاقتصادات الكبيرة المهيمنة (أمريكا وبعض دول أوروبا).
والتطرف العنصري والعرقي الذي تمثله إسرائيل اليوم، ليس أقل خطراً على حياة الإنسان، فهي تدعو العرب كل العرب إلى الاستسلام للأمر الواقع، وإلا فإن مدناً ستهدم، وملايين من الناس يحاصرون ويحرمون حتى من أدوية الأطفال، يجري ذلك أمام مرأى العالم أجمع، الذي يؤيد إبقاء الاحتلال ودعمه بكل عناصر القوة والدمار، والتفنن في اختراع أسلحة يتم التباهي بها بأنها الأقدر على إيقاع أكبر عدد من الضحايا.
وقد أضيف بعد جديد إلى تلك الوسائل يعيدنا إلى القرون الوسطى، عندما كان التطرف الديني المحرك الأساسي للحروب، وها نحن الآن في عالمنا المعاصر نجد أنفسنا ضحايا التعصب والتطرف الديني (اليهودي، والإسلامي، والمسيحي، والبوذي، والهندوسي) وكأن على العالم أن يدفع ثمن تصرفات هؤلاء المهووسين، وأن يسود إرهابهم العالم، وأن يتحكموا في مصير البشر والشعوب ويضعوها رهينة لتحقيق أغراضهم المريضة.
يتم ذلك كله ليؤكد للعالم أجمع أن الشر لا يزال مستمراً، فما نراه اليوم ليس صراعاً بين تيارات سياسية أو أيديولوجيات مختلفة، كما كان الحال في القرن الماضي، في ذلك القرن، ومنذ بداياته كان الصراع بين نظامين مختلفين في التوجه وأيضاً في القوى الاجتماعية، إلا أن الفكر كان هو السائد.
ولعل من إفرازاتها بروز الاتجاه الوسطي، أو ما كان يعرف بدول عدم الانحياز، والتي ضمت إليها قوى كانت تريد أن يكون لها موضع قدم في ذلك العالم بين عالم الكبار، وكان ظن هؤلاء أنهم يستطيعون أن يربحوا الطرفين، ولكنهم خسروا أنفسهم وربح الطرفان، وانتهت المعركة ليربح طرف واحد.
وقطب واحد، يتسيد العالم الآن، بعد أن فشلت القوى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في إحدى تلك القوى، مما أدى إلى انفراد القوى الجديدة، والتي كان من المعتقد أنها سوف تنشر السلام والرفاه الاجتماعي والمساواة، إلا أن ذلك لم يتحقق بأي حال من الأحوال، وقد أثبتت العشر سنوات الماضية أن الحلم في العيش بسلام هو في الواقع حلم.
وأن الواقع يؤكد استحالة تحقيقه في ظل الوحشية البشرية، وعدم إيمانها بحقوق الإنسان، بل هي تسعى إلى سحق مجاميع من البشر، لا ذنب لهم إلا أنهم خارج إطار الدائرة، تلك التي لها أجندة خاصة، وتعتقد وربما بنظرية سحق الضعفاء من الأمم، وخاصة تلك التي ما تزال تعيش ضمن إطار تاريخها القديم.
وبالعودة إلى «المرحلة الحالية هنالك قوى سياسية بالدرجة الأولى، تحمل معادلة الهدم لكل شيء يدعو إلى ترسيخ دولة المؤسسات، وتعمل على إنهاء العقد الاجتماعي بين كافة القوى الاجتماعية، وهو بلا أدنى شك صمام الأمان لاستمرار الحياة في المجتمع، إن العودة إلى الطائفية أو العرقية أو غيرها من أشكال العنف الاجتماعي سيؤدي إلى استمرار الحرب داخل البنية الاجتماعية.
وأن مراقبة التطورات السلبية في بعض المجتمعات العربية يؤكد هذه الحقيقة، ففي العراق واليمن وغيرهما من الدول يتأكد أن الإنسان هو كبش الفداء لذلك الصراع، وأن رائحة الجثث المحروقة في العراق لأبرياء ولأطفال ونساء هي محصلة هذا التدخل الآثم، إن العدالة لا تبنى على أشلاء الأطفال والنساء وكبار السن.
وأن العدالة لا تبنى على إعادة بعض الدول إلى العصر الحجري، دول بلا كهرباء ولا ماء ولا مؤسسات، ودولة مدللة لأنها الأنموذج الديمقراطي الذي يقدمه لنا العالم المتقدم على أنه أنموذج ديمقراطي يجب أن يحتذى، تهدد دولة عربية بأنها ستعيدها إلى العصر الحجري لا لسبب إلا أنها تريد أن تملك قوى تدافع عنها وتعيد لها أرضها!
إن معظم السياسة الحالية تتخذ من أسلوب الحكم الديمقراطي وسيلة لقمع الآخر، وهي بذلك تجعل العامة من الناس لا تريد ذلك الأسلوب، ولعل ما يجري في الكويت نموذج آخر، فقد جعلت المواطن العادي يفضل العودة إلى مرحلة ما قبل الديمقراطية! ألم نقل إنه عالم عجيب، هذا الذي تريد أن تصنعه الديمقراطية الأولى في العالم، أليست راغبة في هدم العالم القائم في منطقتنا لبناء شرق أوسط جديد؟!
رئيس وحدة الدراسات ـ «البيان»
