تعود اتفاقية الإطار، التي وقعتها أربع من دول حوض النيل العشر،هي إثيوبيا وأوغندا ورواندا وتنزانيا، أخيرا، وردود الأفعال الفورية التي أثارتها، لتلقي الضوء على مدى خطورة التحذيرات من أن الصراع على الماء قد يشكل أبرز قسمات الحياة، في هذه المنطقة من العالم، في المستقبل القريب.

لكنها، في الوقت نفسه، تفتح الآفاق على تأكيد أن قضية بهذا القدر من الخطورة تنتمي حقا إلى ملفات الأمن القومي المعقدة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة الانطلاق نحو الصراعات والحروب. فالخطورة والإلحاح هنا لا يمكن إلا أن يكونا مرادفين لإعطاء المدى الكامل لطاقات الدبلوماسية والحوار.

دعنا نسلم، بداية، بأن مجمل الظروف التي واكبت توقيع الاتفاقية توحي بأن الأفق مفتوح على تردي العلاقات بين دول المنبع ودول المصب، ربما وصولا إلى هاوية بالغة الخطورة.

تحت مظلة التسليم بهذا المنطلق تبرز مجموعة مهمة من الحقائق، التي لابد من أن تفرض نفسها على محاولة التعامل المنطقي مع معادلة الماء والدم الشائكة هذه:

أولا ـ ربما لم يقدر لمصر، في عهد الرئيس حسني مبارك، أن تعرف إجماعا من جانب مكونات الحياة السياسية كافة كهذا الذي شهدته.

عندما ذهب الجميع إلى تأكيد أن دولتي المصب لن تتنازلا عن حقوقهما التاريخية في مياه النيل، لأنها بالنسبة لهما «مسألة حياة أو موت». ويلفت نظرنا أن هذا هو نفسه التعبير الذي استخدمه نصر الدين علام وزير الري المصري ومصطفى إسماعيل مستشار الرئيس السوداني.

ثانيا ـ على صعيد الحركة السياسية، بادرت دولتا المصب إلى الإعراب عن حرصهما على علاقات طيبة مع باقي دول حوض النيل، ولكن بما لا يتناقض مع احتفاظهما بحقوقهما التاريخية، وليس من قبيل الصدفة أن يشدد وزير الري المصري على أن بلاده لن تفرط في حقوقها، التي يكفلها القانون الدولي، بمراقبة ومنع أي مشروع يؤثر في حصتها السنوية من مياه النيل البالغة 5 .55 مليار متر مكعب، وأنها ستبادر في حالة خروج أي مشروع لتوليد الطاقة عن أهدافه وثبوت إضراره بحصة مصر إلى اتخاذ الإجراءات القانونية والدبلوماسية للاحتجاج ومنع مثل هذه الاستخدامات الضارة.

ثالثا ـ هناك ثلاثة تيارات في تقييم اتفاقية الإطار، يذهب أولها إلى أنها ليست إلا نوعا من الاستعراض السياسي من جانب الدول الأربع، وبالتالي فهي لا تشكل أي خطورة على دول المصب، أما التيار الثاني فيراها إيذانا بنشوب صراعات على تقاسم المياه قد تفضي إلى اندلاع حروب عدة، ويذهب تيار وسطي بين هذين التيارين إلى القول إنها قد تشكل فرصة وحافزا لدول حوض النيل على الحوار حول إصلاحات جذرية في نظام اقتسام المياه والتعاون بينها.

رابعا - أيا كان تقييم المرء للاتفاقية، فإنه لا سبيل أمامه إلى تجاهل أن للاتفاقية عالما خلفيا يفضي إلى حشد من علامات الاستفهام، فهناك مخططات أميركية وإسرائيلية عديدة تتعلق بالتلاعب بمقدرات حوض النيل لا تنتمي إلى الأمس القريب، فأول توجه إلى تحويل مجرى النيل في إثيوبيا جاء بناء على دراسات قام بها مكتب استصلاح الأراضي الأميركي.

وهذه المخططات لم تكن بعيدة عن إنشاء سد فيشا، وهو مشروع إثيوبي اقتطع نصف مليار متر مكعب سنويا من حصة مصر من المياه، وتدرس إثيوبيا حاليا ثلاثة مشروعات سدود ستحجب عن مصر سبعة مليارات متر مكعب من المياه سنويا، ولا يزال هذا المسلسل مستمرا حتى اليوم بتعاون وثيق مع تل أبيب.

خامسا ـ إذا كان البعض يتصور أن دولتي المصب أمامهما خيار صعب بين أن تمضيا إلى الحرب أو تترديا إلى التفريط في حقوقهما التاريخية في المياه، فإن هذا التصور أبعد ما يكون عن الدقة، فمجال الحركة المتاح أمام القاهرة والخرطوم بالغ الرحابة، ومصر التي رفعت طويلا شعار السلام قادرة على أن تضعه موضع التطبيق هنا، من خلال الانطلاق بملف تقاسم الحصص وفق منطق علمي وسياسي ودبلوماسي قوي ومتكامل.

هذه الأرضية، على وجه التحديد، أرضية رفض الحرب مع دول حوض النيل، هي التي ينبغي أن تكون دافعا للقاهرة للعودة بقوة إلى ما تمتعت به طويلا من حضور سياسي واجتماعي وثقافي قوي في القارة السمراء.

هنا تبرز علامة استفهام محددة:ماذا إذا برهنت التطورات المقبلة على أن نوايا الدول الأربع لم تكن سليمة وأن للقضية وجها سلبيا بالمطلق؟

مرة أخرى فإن دولتي المصب ليستا مجردتين من الأوراق الضاغطة، وليتذكر من يريدون لي أذرع الآخرين عبر مشروعات المياه الممولة إسرائيليا، أنه يمكن الضغط عليهم عبر الصومال، التي تطالب إثيوبيا بإقليم أوجادين، وتطالب كينيا بإقليم بونتي.

أما إذا برهنت وقائع الغد على أن النوايا خالصة، فإن الباب يمكن أن يفتح أمام تعاون وثيق في مجالات التنمية والتطوير والتحديث بين دول حوض النيل، وذلك عبر صيغ توافقية، لاستثمار المزيد من مياه بحيرة فيكتوريا وبحيرة ألبرت والمياه الآتية من هضبة إثيوبيا، التي يهدر معظمها في المستنقعات الآن.

kamel@albayan.ae