تأثرت الانتخابات البحرينية السابقة، في فصليها التشريعيين الأول والثاني، بمعطيات ومتغيرات سياسية ودينية وإثنية، وهي معطيات في بعضها متشكلة في السياق السياسي والاجتماعي والثقافي القائم، إلا أنها في بعضها الآخر تأثرت بالمتغيرات والمعطيات الإقليمية، والصراع على النفوذ والمصالح بين القوى الإقليمية والدولية في المنطقة.
وهو صراع قد وظف فيه الكثير من المعطيات العقائدية والإثنية وربما العرقية، كمتغيرات أو مصادر للقوة والضعف عند مختلف الأطراف.
فالانتخابات البحرينية بقدر ما كانت تمثل في نتائجها وفي التفاعلات والصراعات التي تأتي معها، الحالة السياسية ـ الثقافية أو الإثنية المتسمة بقدر غير عادي من التعدد، وبقدر ما مثلت هذا التعدد في توظيفات القوى الإسلاموية وبعض من القوى السياسية الأخرى المحلية.
فقد شكلت فضاء مهما في عملية الاستقطاب، ليس السياسي فحسب، وإنما الطائفي كذلك، والذي شهدته البلاد خلال مرحلتي التسخين للانتخابات وخلال أعمال أدوار الفصول التشريعية المختلفة.
وتعكس نتائج انتخابات الفصول السابقة حالة الاستقطاب الذي باتت عليه الحالة السياسية، كما يعكس هذا كذلك التوظيفات السياسية المختلفة التي بها تم توظيف أو إثارة هذا الاستقطاب في السياقات المختلفة، ومن قبل قوى كثيرة ومتعددة، بعضها محسوب على الموالاة وأخرى محسوبة على المعارضة.
وتأخذ عملية الاستقطاب، وبالتالي التأثير على عملية التصويت، مداخل متعددة وتوظف فيها طرائق ووسائط متعددة، بعضها تقليدي وبعضها في غاية التطور من حيث الآليات التكنولوجية المستخدمة فيها. أي أن القوى المختلفة في سياقاتها المؤسسية الرسمية والأهلية غير المنظمة، توظف المعطيات الاثنية والمذهبية والأيديولوجية المختلفة في صراعها مع الأطراف الأخرى، وهو توظيف بات يحدث فرزا وأحيانا فرزا عميقا في العملية الانتخابية المحلية.
وتأخذ عملية الاستقطاب في هذه التكوينات مداخل مختلفة، وتوظف فيها معطيات بعضها قد اتصفت به البحرين منذ القدم، وبعضها الآخر بات حديثا وطارئا لم تعرفه البلاد إلا في سنينها الأخيرة.
ففي الدوائر المغلقة مذهبيا أو قبليا أو إثنيا، فان الصراع هنا قد لا يوظف المعطى العقائدي المذهبي، بقدر ما قد يوظف المعطى السياسي وربما الحالة الإيمانية الظاهرية للمترشحين، وتحديدا في الدوائر التي يترشح فيها أحد المحسوبين على الجماعات السياسية الليبرالية مقابل الاسلاموية.
كما حدث في إحدى دوائر المنطقة الوسطى التي تنافست فيها مرشحة «وعد» ضد مرشح الإخوان المسلمين، حيث بدت عملية الاستقطاب تأخذ بعدا إيمانيا، وظفت فيه المساجد والآليات التكنولوجية الأخرى وبعض وسائط الإعلام في عملية الصراع. وهي حالة قد حدثت لكل الليبراليين المترشحين ضد مرشحي الإسلام السياسي بضفتيه السنية والشيعية.
فالدعوة لما سمي بالتصويت لـ «القائمة الإيمانية» في مواجهة ما سمي بـ «العلمانيين»، تحمل مضمونا ينال من إيمان المترشحين الآخرين المختلفين مع مترشحي القائمة الإيمانية. وقد يأخذ هذا الصراع بعدا إثنيا؛ عرب مقابل عجم، أو عرب مقابل هولة. وهي حالة قد شهدها بعض الدوائر الانتخابية.
وفي مثل هذه الحالات لا يأخذ الصراع بعدا مذهبيا أو يكون على أسس مذهبية: سنة مقابل شيعة، وإنما تتم في داخل إطار الجماعة المذهبية الواحدة. ونتيجة لذلك، فإن الصراع في هذه الحالة يأخذ البعد السياسي أو الإثني وقد يكون الثقافي.
فالصراع هو بين قوى سياسية تشكل في أطرها وهياكلها أحزاب سياسية حديثة، إلا أن صراعاتها السياسية تستدعي الانتماءات المذهبية والإثنية والعقائدية للأفراد والجماعات. وهي توظيفات تنتمي في مضامين أطروحاتها السياسية ـ الثقافية لمرحلة ما قبل الدولة، أو بشكل محدد تنتمي للحقبة التقليدية ما قبل الحداثية.
وبشكل عام فإن الانتخابات القادمة قد تشهد قدرا من التغيير في الوجوه، وربما في حجم تمثيل القوى والكتل والجماعات، إلا أنه قد لا يعتبر تغيرا ذا أهمية من الناحية السياسية أو من الناحية الثقافية السوسيولوجية، إذا لم يصب نصيب الكتل ودرجة تأثيرها داخل المجلس.
فأي انتخابات جديدة لا تأتي بقوى سياسية واجتماعية جديدة، لن تأتي معها بالتالي بأطروحات وتمثلات فكرية وسياسية تضيف قدرا من الحيوية والحراك على العملية السياسية.
فأن تستمر القوى الحالية، وإن كان في وجود بعضها ضمان توازن سياسي، كما يعتقد البعض في السياق الرسمي، لا أجده من المنظور السياسي يضيف جديدا في العملية السياسية، بل إنه قد لا يعطي العملية السياسية حيويتها المطلوبة وقدرتها على التطور والتمثل بالتشكيلات السياسية المتطورة في العالم.
فالذي يعطي العمليات السياسية في المجتمعات الديمقراطية حيويتها، هو قدرة صناديق الاقتراع على إحداث التغير السياسي في ميزان وحجم القوى السياسية المختلفة. وهي حالة قد شهدتها مؤخرا كل المجتمعات الديمقراطية في الغرب: في فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية.
بل إن الانتخابات الكويتية والعراقية الأخيرة، قد أحدثت تغيرا مهما في حجم القوى السياسية وميزان قوتها داخل برلماناتها المنتخبة، رغم حجم التلكؤات التي نلحظها في الحالة العراقية.
وهي تلكؤات تعكسها طبيعة الثقافة السياسية الحاكمة لفكر وممارسة الأحزاب السياسية العراقية بشكل عام، بل نقول الأحزاب والجماعات السياسية العربية بشكل عام. فهي ديمقراطية عندما تأتي بها الديمقراطية للسلطة، إلا أنها سرعان ما تنقلب عليها إذا ما كانت نتائج صناديق الاقتراع في غير صالحها.
كاتب بحريني