احتضنت مدينة دبي الأسبوع الماضي منتدى الإعلام العربي التاسع، بحضور عدد كبير من مسؤولي المؤسسات الإعلامية والإعلاميين والأكاديميين العرب والأجانب، لمناقشة شؤون وشجون الإعلام العربي والتحديات التي تواجهه في العصر الرقمي وعصر الثورة الاتصالية.

وفي الافتتاح الرسمي للمنتدى تكلم العالم أحمد زويل، بخلفية الباحث والمتخصص في مجال العلوم الدقيقة والتطبيقية، عن غياب المقاربة العلمية في الإعلام العربي، وسيطرة الكم على الكيف، وغياب التفسير والتحليل، وضعف استغلال الخبر وتوظيفه بطريقة منهجية وعلمية.

فالخبر دون رأي المختص والخبير، يبقى مجرد خبر. بمعنى أن الصحفي ملزم بالغوص في القضايا المطروحة ومعالجتها وتحليلها، بطريقة معمقة وعلمية ومنهجية، من خلال عرض وجهات نظر ومقاربات مختلفة حول الخبر.

كما أشار العالم أحمد زويل إلى ضعف الثقافة العلمية في الإعلام العربي، وهذا يعني ضعف الإعلام المتخصص. كما أشار إلى التوظيف غير الأخلاقي وغير العلمي وغير المنهجي للدين ولمصطلحات ومفاهيم كثيرة.

ومن الإشكاليات التي طُرحت في المنتدى مخاطبة الآخر بلغته، والعبر والدروس المستخلصة من تجربة الجزيرة انترناشيونال. وهنا نلاحظ أن المنظومة الإعلامية العربية، تعاني نقصاً كبيراً في المؤسسات الإعلامية التي تخاطب الآخر بلغته، وهذا يعني وجود فجوة كبيرة في تصحيح الصور النمطية والأفكار المسبقة، ومواجهة حملات التشويه والتزييف والتضليل ضد العرب والمسلمين.

فهناك خلل كبير جدا بين ما يستقبله العرب وما يرسلونه من مواد ومنتجات إعلامية وثقافية، وما زال العرب يعتمدون على الاستهلاك والتعرض لما ينتجه الآخر، دون أن ينتجوا هم مضمامين ورسائل يقدمونها للآخر.

وحتى استغلال الخبر وتوظيفه بطريقة ذكية ومنهجية ما زال يعاني الكثير، حيث نلاحظ في معظم الأحيان تقديم الخبر أو اختيار نفس الصور ونفس التعليقات كما وردت من المصدر، وهذا يعتبر ضعفا مهنيا كبيرا جدا.

وفي جلسة المنتدى التي كانت بعنوان «هل يصل مقص الرقيب إلى الفضاء؟»، طُرحت إشكالية تقنين وتنظيم الإعلام الفضائي العربي. وهنا تجب الإشارة إلى الخطورة التي وصل إليها الإعلام الفضائي العربي، وإلى تلوث هذا الفضاء وانتشار عدد كبير من الفضائيات الإباحية التي فاقت المائة.

فهناك عدد كبير من الفضائيات نجده خرج عن العرف والتقاليد والقيم وأخلاقيات المهنة، وأصبح هذا النوع من «الإعلام» يبث سموما تلوث عقول الناس وخاصة فئة الشباب. ففي الفضاء الإعلامي العربي اليوم أكثر من 696 فضائية، منها فضائيات الشعوذة والدجل، و«تلفزيون الواقع» وفضائيات «الغزل على الهواء» والفتاوى والعيادات الطبية... الخ.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، هو: من المسؤول عن تنظيم هذه الفوضى؟ وكيف؟ وما هي الآليات؟ ففي فبراير 2008 صدرت وثيقة عن جامعة الدول العربية لتنظيم البث الفضائي العربي، وكانت النتيجة جدالا كبيرا واستياء من قبل الصحفيين والمؤسسات الإعلامية التي لم تتم استشارتها ولم يسأل عن رأيها في الموضوع على الإطلاق، ما جعل الجامعة تسكت عن الموضوع وتركز على مبدأ أن الوثيقة ليست إلزامية وإنما هي للاسترشاد، وتمكن الاستفادة منها أو تجاهلها.

وفي عام 2009 ظهرت مبادرة جديدة من قبل اللجنة الإعلامية في جامعة الدول العربية، بمسمى جديد وهو «مفوضية الإعلام العربي». ويجب الاعتراف هنا بأن الإعلام الفضائي العربي يعاني من مشاكل أخلاقية ومهنية وقيمية.

والموضوع يتعلق في الدرجة الأولى بالتزام الصحافي ومالك القناة الفضائية ومالك القمر الصناعي، بالمبادئ الأساسية للقيم الإنسانية وأخلاقيات المهنة. فالمجتمع المدني له دور كبير في مراقبة هذه الفوضى والضغط على المتسببين فيها، لاحترام الآداب العامة وأخلاقيات مهنة الإعلام.

من جهة أخرى نلاحظ أن النقابات والاتحادات الإعلامية والصحفية في العالم العربي، تتفرج على هذه الفوضى العارمة والتلوث الثقافي الخطير، دون تحريك ساكن أو إجراء عملي لصيانة مهنة شريفة من مخالب تجار، لا علاقة لهم بالإعلام ولا بالثقافة ولا بالمسؤولية الاجتماعية والنسيج القيمي والأخلاقي للمجتمع.

فهذه النقابات الصحفية في الوطن العربي، لا تتدخل ولا تقوم بأي مبادرة عندما تقوم مجموعة من المتطفلين على الإعلام و«أشباه الإعلاميين»، بالشتم والقذف والتجريح والمساس بكرامة وشرف بلد بكامله.

تنظيم الإعلام الفضائي العربي ليس من صلاحيات جامعة الدول العربية، ولا الحكومات ووزارات الإعلام، بقدر ما هو مسؤولية الصحافي نفسه وصاحب القناة الفضائية وصاحب القمر الصناعي.

وقد ناقش المنتدى، كذلك، في جلسة مقص الرقيب، طلب مجلس النواب الأمريكي باتخاذ إجراءات عقابية ضد بعض الفضائيات ومالكي الأقمار الصناعة، بحجة أنهم يحرضون على الإرهاب. والإشكال المطروح هنا: ما هو الإرهاب؟ وهل هناك تعريف دولي متفق عليه للإرهاب؟

وعلى أي أساس تصنف أمريكا القنوات الفضائية والأقمار الصناعية بأنها تشجع على الإرهاب وأنها ممولة من قبل إرهابيين؟ وماذا عن ما تبثه قناة «فوكس نيوز» مثلا؟ وبأي حق تنصّب أمريكا نفسها رقيبا ومسؤولا دوليا على الأقمار الصناعية وما تبثه وسائل الإعلام في العالم؟

وماذا عن الآلة الإعلامية الأمريكية؟ هل ما تقدمه أمريكا للعالم من خلال صناعاتها الإعلامية والثقافية منتج ملتزم وموضوعي وتراعى فيه قيم وأخلاق الشعوب الأخرى؟!

محاولات أمريكا لتكميم وإسكات الأصوات المناهضة لسياستها ولرؤيتها للعالم، لا طائل من ورائها ولم تحصد إلا الفشل، مثلما حصل عندما أرادت أن تكسب الرأي العام العربي من خلال «الدبلوماسية العامة» وإعلامها الخارجي، فلاقت فشلا ذريعا في استقطاب الجمهور العربي.

عميد كلية الاتصال، جامعة الشارقة

mokirat@sharjah.ac.ae