الغش في الامتحانات أصبح ظاهرة في مدارسنا وجامعاتنا، ويعني التحايل لتدوين المعلومات دون فهم ودراسة، باستخدام وسائل مختلفة،وقد تطورت تلك الوسائل باستخدام التكنولوجيا المعاصرة وعدم الاكتفاء بالوسائل التقليدية المعروفة.
بداية نود الحديث عن ظاهرة الغش في حياتنا، فهي لا تقتصر على الطلبة والامتحانات، بل مستشرية في مختلف القطاعات، وهي جزء من الفساد الذي تعيشه مجتمعاتنا في هذه المرحلة، وهي كذلك جزء من تاريخنا، فالتاريخ ليس كله ناصعا. والأمثلة على انتشار واستشراء الفساد وفي حياتنا عديدة،وتشمل كل المجالات.
وللظاهرة أبعاد سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية، ولن ندخل في شرح تلك الأبعاد التي ليست هي صلب رسالتنا في هذه المقالة، ولكن ظاهرة كهذه تستحق التوقف عندها لمناقشتها، وإن كان البعض قد يراها عادية وطبيعية وليست خطيرة كما نتصورها ونراها.
إن بعض الطلبة يلجأون إلى الغش في الامتحانات، وبعض مدرسيهم وأساتذتهم يغشون في أبحاثهم وتدريسهم ويتحايلون في دوامهم، كما يتحايل إداريون في تأدية مهامهم ويلجأون إلى الواسطة يستخدمونها ويطبقونها، بوجه حق أو بدونه، وهناك كتب ومقالات وأطروحات تم الغش فيها وليس لأصحابها أي جهد فيها!وأبناء بعض المسؤولين في مدارسنا، في مقدمة المتفوقين وهم في حقيقة الأمر ليسوا كذلك.
والغش كان ولا يزال في المواد لغذائية، وفي البيع،وفي تصليح المركبات، وفي مواد البناء، وفي تنفيذ المشاريع لدى بعض المقاولين،وفي انتظام الدوام في العمل،وفي جمع أموال التبرعات وغيرها، أي إنها ظاهرة عامة منتشرة في كل المجالات .
لقد تطورت وسائل الغش، سواء في أساليب التحايل أو باستخدام تكنولوجيا حديثة، فنحن نلاحظ مثلا في مجال التعليم، أن ما يسمى بالبرشامة تحول إلى التليفون النقال والسماعة. والمشكلة عندما يقع الغش، ويبدأ الشروع في تطبيق القانون ضد الذي ارتكب الجريمة.
حيث تبدأ التدخلات من أولياء الأمور ومن آخرين لعدم تطبيق اللوائح أو تخفيف العقوبة، دون أن يعلم أولئك وغيرهم أن مثل ذلك التدخل، هو تخريب لسلوك الشباب والشابات وتدمير لمستقبلهم، باستمرار تكرار ارتكاب الغش في مجال الدراسة والعمل وغيرهما في المستقبل.
ولدى كاتب هذه الأسطر بعض الأجهزة التي تستخدم في الغش في الجامعة، مثل الساعات اليدوية المزيفة فيها براشيم أحرفها مصغرة، وسماعات التليفون النقال بلون البشرة وغيرها، وكذلك يمكن أن يدخل طالب أو طالبة مكانا آخر في الامتحان، مما يتطلب التدقيق في الهويات، وقد يكون النقاب لدى بعض الطالبات احدى المشاكل.
المشكلة أيضا تحدث عند تساهل بعض المدرسين والأساتذة والمراقبين في الامتحانات، مما يشجع ويساعد على انتشار هذه الظاهرة واستمرارها في مدارسنا وجامعاتنا. وأنا اعتقد أنه لو أجريت دراسة ميدانية عن هذه الظاهرة، لاكتشفنا الكثير من الوقائع غير المتوقعة في ممارسة الغش، في المجال التعليمي وغيره من المجالات.
ونشير هنا أيضا إلى أسباب ظاهرة الغش، ودون الدخول في التفاصيل، فهناك خلل في القيم التربوية والاجتماعية تتحمل الأسرة والمدرسة مسؤوليته. لقد ركزنا اهتمامنا على اكتساب المعرفة والمعلومات، على حساب غرس قيم الخير والإنتاج والإبداع في أجيالنا منذ المرحلة الابتدائية، فيقوم الآباء والأمهات على تعليم أبنائهم كيف يجتازون دراستهم بنجاح، وبأي وسيلة، دون أن نركز ونغرس فيهم أن الغش حرام ومخالف للقانون.
فكيف نواجه ظاهرة الغش في مدارسنا؟
إن ما سبق ذكره حول القيم، هو جزء من الحل، لكننا كذلك نعتقد أن المسألة لا تكمن في العقاب والإجراءات التأديبية وحدها، بل الوقاية خير من العلاج، فالظاهرة يجب أن تدرس بشكل جيد من قبل متخصصين، وأن يعاد النظر في مناهجنا ونهجنا وأسلوب تعليمنا، لنخلق جيلاً لا يغش.
فنحن اليوم نعاني مشكلة، ليس فقط في من يرتكب الغش، ولكن أيضا في من يسهل تلك العملية ويتساهل فيها، وفاقد الشيء لا يعطيه، ويعرف القارئ الكريم ماذا نعني بذلك. إذا علمنا أن هذه المشكلة أساساً جزء من فساد عام، فلا بد من معالجته، فهي قضية قيم تربوية واجتماعية وثقافية، تحتاج علاجاً من جذورها والوقوف على أسبابها، ثم مواجهتها، وبذلك نكون قد خطونا نحو حلها خطوات إيجابية، دون أن نلغي من حسابنا عقاب من ارتكبوا ويرتكبون تلك الجريمة، مع علمنا أن العقاب وحده ليس حلاً.
نعلم جيداً انه من الصعب، وربما من المستحيل، القضاء كليا على ظاهرة الغش في حياتنا، لكننا نعتقد أن التخلص منها في مجال التعليم يمهد السبيل إلى مواجهتها في المجالات الأخرى والحد منها، وهذه مهمة في نهضتنا لان التقدم ليس فقط في الوسائل التي نستخدمها، ولكن في العقلية التي تتدبر أمورنا، وفي قيم الخير الايجابية التي نتحدث عنها ونعيشها في حياتنا كباراً وصغاراً.
كاتب كويتي