بتفضل حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ باعتماد توصيات ندوة السلامة المرورية "نعم للحد من حوادث المرور" التي اختتمت أعمالها أمس، يكون الشق النظري من الندوة قد أسدل عليه الستار، لتبدأ مرحلة جديدة من العمل البناء والخلاق يشترك فيها الجميع (صغارًا وكبارًا شيبًا وشبابًا ذكورًا وإناثًا، مواطنين ومقيمين، زوارًا وسياحًا) من مستخدمي الطريق.

وبالتالي لا عذر لأحد أن يتخلف عن أداء دوره الوطني والمسؤول تجاه وطنه ونفسه وذويه ومواطنيه ومن يحب، ذلك أن الندوة جاءت أولًا امتثالًا لأوامر ولي الأمر جلالة السلطان المعظم ـ أيده الله ـ الذي يأمرنا ديننا الحنيف بطاعة أُولي الأمر، خاصة وأنه ليس هناك هدف أسمى من هدف حفظ الحقوق، سواء تلك المتعلقة بالخالق سبحانه وتعالى أو بحقوق الناس، فنعمة الحياة ملك لواهبها لا يحق لأحد أن يعتدي عليها.

كما لا يحق لأحد أن يعتدي على حقوق الناس، وعدَّ ذلك ظلمًا وعدوانًا وأوجب العقاب على الظلم وعلى كل من تخول له نفسه ظلم الآخرين. فالشاب عندما يأخذه طيشه وغروره متفاخرًا بما عنده من مال أو جمال أو سلطة أو قوة أو وظيفة أو موقع اجتماعي، فإنه لا يظلم الآخرين فحسب، بل يظلم نفسه أيضًا.

وقد جاءت توصيات الندوة شاملة لم تترك شاردة ولا واردة إلا وتطرقت إليها، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على الإعداد الجيد وحسن التنظيم واختيار البحاثة والخبراء في مجال السلامة المرورية، ما يشير إلى أن جهودًا كبيرة بذلت في سبيل إنجاحها، وينم عن رغبة أكيدة في جعل بلادنا سليمة معافاة من شرور الطريق، وتجنيب المواطنين والمقيمين هذه الشرور.

وهذا في الحقيقة يصب في البراهين المؤكدة على الثوابت الراسخة التي قامت عليها النهضة المباركة والتي اتخذت من الإنسان العماني ركيزة أساسية في التنمية، ومحورًا تدور حوله، والذي من زاوية السلامة المرورية تتضح الرؤية بصورة أكبر حول ما أبدته وتبديه النهضة المباركة من احترام كبير لحقوق هذا الإنسان.

فكما سخرت له كافة إمكاناتها لتعليمه وتدريبه وتأهيله ووفرت له سبل العيش الكريم، أخذت على عاتقها المحافظة على حياته، فهي اليوم من خلال ندوة السلامة المرورية تسعى إلى ردع الإنسان عن ظلم نفسه من نفسه، محاوِلةً كبح جماح هذه النفس ونزوعها إلى الطيش بدراسة وتقييم قوانين وأنظمة المرور المعمول بها، بما في ذلك مراجعة العقوبات (الأحكام القضائية، المخالفات).

واستحداث دوائر مرورية في المحاكم تختص بقضايا المرور لسرعة البت فيها، ولتحقيق الردع المباشر للمخالفين ومرتكبي الأفعال المؤدية للحوادث المرورية، والعمل على فرض مزيد من الرقابة والضبط المروري بما يتماشى مع اتساع شبكة الطرق وكثافة حركة السيارات عليها، لضمان انسياب الحركة المرورية بطريقة آمنة، ولضبط السائقين المتهورين والأكثر نزعة لارتكاب الحوادث المرورية.

ومن أجل الحصول على نتائج إيجابية يجب تشديد العقوبات، سواء من حيث الغرامة أو السجن أو غيرها، والابتعاد عن اعتبارات الوساطات والمحسوبيات والمناصب، فثمة أنفس لا يردعها إلا القسوة والغلظة في العقاب.

وإذا لم تغفل الندوة عن أساليب التحذير والعقاب فإنها أيضًا لم تغفل عن أساليب الثواب والتحفيز والتشجيع، حيث أوصت الندوة بتخصيص كأس وجوائز قيمة تمنح لكل "محافظة، منطقة، ولاية، مؤسسة، ومبادرة فردية مجيدة" في مجال تعزيز السلامة المرورية، وذلك تخليدًا لمناسبة صدور الأمر السامي لجلالة السلطان المعظم ـ حفظه الله ورعاه

بضرورة الحد من حوادث الطرق، كما أوصت بضرورة تكثيف الحملات الإعلامية التوعوية تقدم في قالب مشوق وجاذب، وترسيخ مفهوم التربية المرورية في مناهج التعليم العام والخاص ومقررات الكليات والجامعات، فضلًا عن هندسة الطرق لتكون أكثر أمانًا لمستخدميها من المشاة، ومعالجة مواقع تكرار حوادث المرور، ومراجعة وتقييم لوائح تحديد السرعة.

إن ما يجب الإشارة إليه أن الندوة خرجت بتوصيات بلغت من الأهمية غايتها، ومن الأهداف أسماها، وأحاطت بكل شيء دراسةً وبحثًا ومراجعةً وتقييمًا ومعالجةً، لكن يبقى هناك عنصر غاية في الأهمية أيضًا أن الوعي المتحضر والتجاوب من قبل الجميع أمر مطلوب، فهو المقياس الحقيقي لنجاح إنفاذ وتطبيق ما خرجت به هذه الندوة.