انشغلت الكويت طوال شهر، في الحديث حول «الخصخصة» أو كما يسميها إخواننا في المغرب العربي «الخوصصة»، فقد مرر مجلس الأمة مشروع القانون المقدم من الحكومة في مداولته الأولى قبل عدة أسابيع، ليثير ذلك زوبعة من النقاشات والمجادلات الحادة، بين مؤيد للمشروع من حيث المبدأ، وإن كان هذا الفريق أبدى الكثير من الاعتراضات والانتقادات عليه، وبين معارض لعملية الخصخصة من الأساس واعتبارها «نقلاً للأملاك العامة» إلى حفنة قليلة من التجار.

ولم يظل اختلاف الرأي حول عملية الخصخصة حبيساً على صفحات الجرائد والفضائيات، وما أكثرها في الكويت، بل امتد للنزول إلى الشارع عبر الاعتصامات والإضرابات التي نظمت في عدة أماكن وقطاعات، وهو أمر استهجنه رئيس مجلس الأمة جاسم الخرافي بقوله «إننا لا نُحكم من الشارع». ولم يقل مؤيدو الخصخصة نشاطاً عن معارضيها، وإن كانت دعوتهم اتسمت بتنظيم الندوات والمحاضرات واللقاءات التثقيفية وغيرها.

وما جعل الأوراق تختلط، هو ذلك التباين حول جدوى الخصخصة ومراميها البعيدة، والذي ظهر جلياً في التصويت على مشروع القانون في مداولته الثانية يوم الأربعاء 12 من الشهر الجاري، إذ بين الخمسة والثلاثين نائبا الذين وافقوا عليه، والأربعة والعشرين الذين رفضوه، تتقاطع التيارات والكتل السياسية لتقسم تلك القوى إلى قسمين متساويين تقريباً، وهذا ينطبق على التكتل الشعبي، وهو تجمع المعارضة الرئيسي، وعلى السلفيين والإخوان والتجمع الوطني الديمقراطي. فهناك من ينتمي إلى هذه التكتلات مع القانون، وفي نفس الوقت هناك من نفس تلك التكتلات من وقف بالضد من القانون.

غير أن ثمة ملامح عامة أخذت تبرز في السنوات الأخيرة (ونقول عامة، دون أن يعني ذلك أنه ليست ثمة استثناءات). فالمؤيدون، ومن كل الاتجاهات، كانوا في الغالب الأعم من نواب الحضر، في حين كان المعارضون، في عمومهم من نواب القبائل، وصوتت النائبات الأربع لصالح القانون، وهذه أصبحت سمة بارزة لمواقفهن، إذ هن دأبن على الوقوف في صف الحكومة، بالذات في إفشال الاستجوابات الكثيرة التي تعرض لها وزراؤها.

والعجيب أن هذا القانون لم يلق قبولاً من دعاة الخصخصة ومناصريها، ومن معارضيها ومناوئيها على حد سواء. فالأولون ذهبوا إلى أن القانون قد «ولد ميتاً»، حسب تعبير وزير التخطيط السابق على الموسى. وهم يضيفون أنه لا جدوى من هذا القانون، لأنه لم يشمل قطاعات أساسية كالنفط والصحة والتعليم، كما كتب علي الرشيد البدر، رئيس مجلس إدارة بنك الخليج، على الصفحة الأولى لجريدة «الجريدة» (16/4). وأيضاً لأن القانون يشتمل على حقوق للعمالة الكويتية لن تستطيع الشركات تحملها.

والحق أن تلك الحقوق أو «الضمانات» قد بانت فوائدها في تحول الشباب الكويتي نحو العمل في القطاع الخاص، فبحسب دراسة أعدها «بنك الكويت الوطني» فإن 19 ألف كويتي انضموا إلى سوق العمل في العام 2009، استقطب القطاع الخاص ما نسبته 68% منهم. وإن ظل الأمر على هذا المنوال، فسيكون القطاع الخاص الكويتي مشغلاً رئيسياً للكوادر الوطنية، بدلاً من التحول إلى القطاع الحكومي الذي يفيض بالعاملين فيه، والمقدرين بحوالي ربع المليون بين موظف وفني وعامل، وفي الأجهزة الأمنية والدفاعية، معظمهم من المواطنين.

أما الواقفون ضد الخصخصة فيرون من حيث المبدأ، أن ثمة ثروات وخدمات يجب أن تكون عامة، وأن العيب ليس في الإدارة الحكومية، بل في التسيب والفساد الذي تعانيه، وإصلاحه لا يتم بالخصخصة وإنما بتطبيق القانون والرقابة الصارمة. وهم يذهبون إلى أن ليست كل خصخصة تؤدي أكلها في تحسين الخدمة، كما هو الحال حينما تم تخصيص محطات الوقود لتديرها شركتان، فلم تتحسن الخدمة، والشيء الوحيد الذي تغير هو زيادة أسعار تبديل الزيوت والصيانة، وهي الخدمات المساندة! ويجادل هؤلاء أيضاً بأن ليست كل إدارة حكومية لعمل تجاري سيكون محكوما عليها بالفشل، ويتحججون بأكثر من شركة طيران عاملة في المنطقة، وهي تحقق نجاحاً منقطع النظير، ومع ذلك فهي شركات تملكها حكومات.

وإذا كان الشيء بالشيء يذكر، فإن قصة الخطوط الجوية الكويتية، تعطي لطرفي الجدل حججاً من الواقع. فالشركة خسرت يوم أن كانت في يد القطاع الخاص، ولاقت نفس المصير يوم أن تحولت حكومية! إذ تأسست في العام 1954 من قبل مجموعة من تجار الكويت، وسيرت رحلات إلى بيروت والقدس ودمشق وعبادان، لكنها بعد سنة واجهت مصاعب مالية، مما دفع الحكومة لتملك نصف أسهمها.

وزادت المنافسة حينما تأسست شركة طيران أخرى اسمها «عبر العالم» في العام 1960، فلم تستطع الشركة الأولى الصمود في سوق ضيقة، إذ قام مساهموها بعد سنتين ببيع أسهما للحكومة، ثم اشترت الحكومة الشركة الأخرى بعد سنتين، ولتصبح شركة رائدة في الستينات والسبعينات تحت الإشراف الحكومي، ثم ليتغير عليها الحال. وها هي الآن في انتظار الخصخصة، بعد أن استكملت كل الدراسات التي أجرتها الحكومة، وبعد إقرار خصخصتها وظهور القانون العام حول ذلك!

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com