وعد الرئيس علي عبد الله صالح بمبادرة ينتظرها الجميع بفارغ الصبر، وتتحلّق حول مرئياتها الافتراضية كثرة كاثرة من المتابعين للشأن اليمني، ممن يتوسّمون الخير كل الخير لمهد العروبة، وجوهرة الإسلام التاريخي، فاليمانيون من الأوس والخزرج ناصروا الرسول الكريم محمداً (ص)، وكانوا فاعلين في أساس التحول الكبير الذي استتبع انتشار الرسالة، وخلال الفتوحات الإسلامية الكبرى شكل اليمانيون ميمنة الجيوش الإسلامية، والتي تمثل جُند الاقتحام الذين شكلوا 80% من عداد تلك الجيوش.

هذه المثابة التاريخية لليمانيين، جعلت من اليمن المعاصر نقطة نظر وتشوّف لمستقبل مزدهر، بدلاً من الاحتقانات والانقسامات. وخلال سنوات الجمر والمتاهات المترعة بتضاريس الألوان الكئيبة وتقلبات الأحوال العسيرة، كانت القيادة السياسية اليمنية تجد نفسها دوماً أمام استحقاقات متجددة، وأسئلة متعددة، وقد بلغت الأمور منطقة اختمار تستحق مبادرة رئاسية وعد بها الرئيس علي عبد الله صالح، وينتظرها الجميع بفارغ الصبر.

أتوقع أن تكون المبادرة الموعودة شاملة وجذرية، وأن تمثل منصة حقيقية لمستقبل مغاير، وذلك عطفاً على السيناريو الافتراضي الذي لا أتوهمه، بل أراه رؤيا العين، مستعيناً بالبصيرة قبل البصر، ورائياً لما عرف عن أبناء اليمن من حكمة ورويّة، وقدرة على التنازلات الشجاعة، ومناورة على المصاعب.

الجميع يحدوه التفاؤل في المبادرة الجديدة، والتي من المتوقع أن تشتمل على العناصر التالية:

ـ تعديل الدستور في اتجاه الفصل الإجرائي واضح المعالم بين ثنائيات الدين والدولة، والسلطة والمؤسسة، والمركز والأطراف، دونما مساس بما عُرف من الدين بالضرورة، ودونما تخل عن وحدوية الأرض والإنسان، ودونما تفريط في المؤسسة على حساب المصالح الذاتية، وفي اتجاه تكريس نظام عصري يتسع للتعددية السياسية، والهوية المقرونة بالمواطنة، ودونما تمييز، وتكريس اعتماد ازداوجية الجنسية، باعتبار أن نصف الشعب اليمني يعيش في المهاجر، وتكريس علاقات حسن الجوار مع الجيران، ومواصلة حلحلة مشاكل صعدة والجنوب.

ـ الإعلان عن صيغة لا مركزية اتحادية تنصف الجميع، وتفتح الباب لمتوالية نماء أفقي يتشارك فيها مختلف الأقاليم والمحافظات، وتضع حداً للدعوات الانفصالية العبثية، من خلال تكريس المشاركة، وتنويع التنمية، وإحالة أمور الحكم المحلي للأقاليم، والتخلي عن المركزية، واعتبار الذمتين الإدارية والمالية مسؤولية يتشارك فيها الجميع، وتؤدي إلى تكريس مبدأ المسؤولية الشخصية المباشرة عن الأخطاء، مما سيوفر بيئة مفارقة للفساد واستباحة المال العام.

ـ ترميزاً لهذه الأبعاد، أتوقع أن يتغير اسم الدولة بحيث لا تخلو من كلمة «عربية»، وأن يتغيّر علم الدولة، راكلاً اللونين الكئيبين «الأسود والأحمر»، وكلاهما من ألوان تجرنا إلى الماضي، ولا صلة لها بالحاضر والمستقبل.

لقد فات الماضي ولم يعد من المستحسن الإقامة في مرابعه، ولذلك فإن علماً يمانياً جديداً سيتناغم مع دعوة اليمن الشاملة لولايات عربية متحدة تكون اليمن مثالها، من خلال دولة اتحادية تمثل منطلقاً لتوق عربي شامل. ومن هذه الزاوية أتصور أن يكون العلم اليماني الجديد عبارة عن لون أزرق سماوي صاف، وأن تنتظم فيه سلسلة نجوم خماسية ناصعة البياض، وقابلة عددياً للزيادة والنقصان بحسب أقاليم اليمن الطبيعية والإدارية، وتخرجنا من شرنقة البكائيات الداكنة «السوداء» والدماء القانية «الحمراء»، إلى فضاء يتسع لرحابة المستقبل ووعوده الزاهية.

ـ أتوقع أن تشتمل مبادرة الرئيس علي عبد الله صالح، على دعوة مفتوحة لفرقاء الساحة من أجل حوار بنّاء غير مشروط، وتداع إلى الوطن الحضن، بحثاً عن تدشين عهد جديد يتكئ على مرئيات المبادرة ورحابتها.

تلك ليست أماني أو افتراضات، بل إنها النتيجة المنطقية لمخاض طال واستطال، ولقد آن الأوان لولادة شرعية تتسق مع هذا المخاض العسير الطويل.

كاتب وباحث يمني

omaraziz105@gmail.com