يبدو العالم العربي محتشدا بشكل كبير بالإعلاميين، فهم في كل مكان، في الصحافة، والإذاعة والتليفزيون، والقنوات الفضائية، والإنترنت، والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية. أينما تولي وجهك فهناك إعلامي ما يراقبك، أو يفكر في برنامج ما يحاصرك به، أو في أفضل الأحوال تشغله قضية مجتمعية ما يحاول عرضها ومناقشتها.

ويوما بعد يوم تتزايد أعداد الإعلاميين وتتنوع المهام المنوطة بهم، بل، وهذا هو الأخطر، يفترسون كافة التخصصات الأخرى المحيطة بهم، بحيث يضيع الهدف من الإعلام من ناحية، ويتم تسطيح التخصصات الأخرى من ناحية أخرى. لماذا ازدادت أعداد الإعلاميين بمثل هذا الشكل؟ وما هي أهمية الحاجة إليهم؟ وهل تدعم السياقات العربية الراهنة دور الإعلام، بما يساعد على التوسع في تخريج الكوادر الإعلامية المختلفة من ناحية وترسيخ رسالة الإعلام من ناحية أخرى؟

لا ينكر أحد أهمية الإعلام والأدوار المنوطة به في ظل نشأة الدولة الحديثة، فالإعلام أصبح واحدا من أهم الأركان التي لا يمكن التخلي عنها أو التقليل من شأنها، وإلا فما هي أهمية هذا الكم من الوسائط الإعلامية القديم منها أو الحديث، إضافة إلى هذا الكم من الإعلاميين من كافة الأجيال والأعمار!

كما أنه لا يمكن تجاهل أهمية كليات الإعلام التي تُخرّج الآلاف سنويا في كافة أرجاء العالم العربي، إلى الحد الذي جعل تخصص الإعلام والفروع المرتبطة به، من تخصصات القمة في الجامعات العربية المختلفة. ورغم كل ذلك فإنه يمكن القول إن الإعلام العربي لم يقم بالأدوار الجادة المأمولة منه، كما لم يُفلح في إنتاج كوادر جديدة تتوافق والطفرات الإعلامية الكونية.

أغلب الظن أن الإعلام العربي قد خرج عن كونه مهنة هدفها خدمة الواقع، والعمل على تناوله بالموضوعية التي تعني ببساطة التعبير عن مصالح أكبر قطاع من المواطنين وطرح قضاياهم بجدية ومسؤولية، إلى تلميع الواقع وإبرازه بما يسر ويُبهج صانع القرار والمسؤولين. بالطبع لا يمكن تعميم هذه الوضعية على كافة الدول العربية، فهناك بعض الدول التي لديها إعلام جاد وحقيقي.

كما أن الإعلام العربي بعد ارتباطه بالقطاع الخاص، اكتسب نزعة تجارية غير هادفة لا يحركها شيء سوى الأرباح، ولا يثير شهيتها إلا المال. صحيح أنه لا يمكن التعميم على مجمل القطاع الإعلامي الخاص، لكن نسبة كبيرة منه قد افتقدت أخلاقيات المهنة، وارتبطت بالجوانب الربحية بشكل كبير. واللافت للنظر هنا أن من يملك المال يفرض شروطه في ظل وجود كوادر عربية، بل ودول بأكملها، جاهزة لبيع مقدراتها الإعلامية للآخرين.

يرتبط الإعلامي مباشرة بصناعة وتشكيل الرأي العام، كما أنه صاحب حظوة ومكانة، يهرع القراء والمتابعون والمشاهدون وراءه، ويرغبون في التقاط الصور والتحدث معه. فالمهنة ذاتها تنطوي على جانب كبير من الجاذبية والإبهار، ناهيك عن السلطة.

فالإعلامي ينضم هنا لقائمة مشاهير العصر، من ممثلين ورياضيين ورجال دين. ولعل ذلك هو ما يدفع بالأجيال الجديدة للالتحاق بالعمل الإعلامي، والحصول على نصيب ما من الشهرة والسلطة والتأثير. فالمغريات المرتبطة بالمهنة تدفع الكثيرين إلى الالتحاق بها والاستفادة من مغرياتها.

وفي ضوء مساحة الدعاية والشهرة والسلطة المرتبطة بالمهنة، تراجعت مساحة الإعلام الجاد الهادف للتغيير المجتمعي الحقيقي، وتراجعت الأخلاقيات المرتبطة بالمهنة في الكثير من المجالات. وأدى ذلك إلى الإضرار العميق بالمهنة، وأكسبها السرعة في العمل والإخراج بعيدا عن بعض العمق الذي لا مناص منه للعمل الإعلامي الجاد والرصين.

ولم يكتف الإعلام العربي والقائمون عليه بذلك، بل إنهم أسهموا في إضعاف التخصصات الأخرى، بسبب اعتدائهم عليها بطريقة متسرعة وغير عميقة. فالكثير من البرامج الإعلامية يتناول الكثير من الموضوعات المختلفة، دون فهم كاف وإدراك عميق لطبيعة الموضوعات. بل إن الأخطر من ذلك، هو أن الإعلام العربي أصبح يلعب دورا كبيرا ومخيفا في تغييب العقل العربي، والإبحار به بعيدا عن قضايا الحياة اليومية والعربية المصيرية. وفي ظل هذا التدهور الحادث، أصبح الإعلام وسيلة من وسائل التغريب والترهيب.

لا يمكن إلقاء اللوم على الإعلام والمؤسسات التابعة له فقط، صحيح أنه يتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية طالما أنه يدعي الأهمية والتأثير والتغيير، فالسياق العربي ذاته يتحمل جزءا كبيرا من ذلك أيضا. ففي ظل الجماهير العربية الساذجة، التي لا يهمها من الإعلام سوى المظهر الجذاب للعاملين في الحقل الإعلامي وطرائق ملبسهم المختلفة.

وفي ظل التقبل الفوري لما تنتجه الآلة الإعلامية العربية، دون نقد أو مواجهة، وفي ظل أعداد الخريجين الذين يفتقرون لأي تأهيل حقيقي وتدريب جيد، إضافة إلى هيمنة الاحتكار وانتشار المحسوبية والمجاملة.. يصول الإعلام ويجول، ولا يحرك المواطن العربي ساكنا تجاهه، سواء بالمواجهة أو بالقطيعة!

كاتب مصري

salehabdelazim@hotmail.com