منذ ان انطلقت مسيرة النهضة العمانية الحديثة بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – قبل اربعين عاما، كان النهوض بالمواطن العماني وبالمجتمع والوطن له الأولوية لدى المقام السامي باعتبار أن المواطن العماني هو الهدف لكل جهود التنمية الوطنية، وهو أيضا صانعها، والمشارك الأساسي في صياغتها وتوجيهها .

ومن هنا فإن العناية باعداد وتعليم وتدريب المواطن العماني، ليس فقط في الاطار التقليدي، ولكن ايضا في الاطار العملي الاوسع كانت موضع اهتمام عميق ومباشر من جانب جلالة السلطان المعظم، ومن ثم بدأت ومنذ البداية تتبلور تجربة عمانية في مجال العمل الديمقراطي، أخذت الشكل العملي المباشر في التواصل بين القيادة والمواطنين عبر صيغ ووسائل عديدة، سواء من خلال مجالس غلب عليها الطابع التنفيذي بحكم احتياجات السنوات الأولى لمسيرة النهضة المباركة،أو من خلال لقاءات حضرة صاحب الجلالة السلطان المعظم مع المواطنين في جولات متعددة، وفي لقاءات غير معدة سلفا.

أو من خلال دعوة جلالته لشخصيات محددة لطرح وجهات نظرها وما تراه من آراء في موضوعات محددة، هذا إلى جانب الدور المناط بمجلس الوزراء بالطبع. ومن خلال هذه الوسائل مجتمعة وغيرها لمس جلالة السلطان المعظم دوما نبض الشارع العماني وتطلعاته، وآماله، وحرص على أن يكون التواصل والتفاعل بين الحكومة والمواطنين على كافة المستويات مستمرا وقويا ومساهما أيضا في توجيه خطط وبرامج التنمية الوطنية في مختلف المجالات، وفي كل الأوقات كذلك وهذا هو جوهر العمل الديمقراطي بغض النظرعن الهياكل والمسميات في هذا المجال .

ومع بداية عقد الثمانينيات من القرن الماضي بدأت التجربة الديمقراطية في السلطنة تأخذ الاطار المؤسسي، حيث بدأ المجلس الاستشاري للدولة في ممارسة دوره وكان يجمع بين شخصيات تنفيذية وشخصيات تمثل القطاع الأهلي يعينها جلالة السلطان، واستمرار المجلس الاستشاري للدولة على مدى خمس دورات متتالية، أي لمدة عشر سنوات شهدت انتقالا ملحوظا في الأداء والتعامل بين المجلس والحكومة وتدريب الأعضاء بشكل أكبر على العمل المؤسسي، خاصة وأن عدد الأعضاء الممثلين للقطاع الأهلي كان يتزايد باستمرار لاستيعاب عدد متزايد من المواطنين في دولاب العمل.

ثم جاء مجلس الشورى العماني ليحل محل المجلس الاستشاري للدولة، وتطور مجلس الشورى سريعا ليتم اختيار اعضائه بأساليب متعددة أتاحت دوما الفرصة المتزايدة للمواطنين لاختيار ممثليهم في المجلس حتى تكاملت الصيغة البرلمانية لمجلس الشورى تدريجيا وليصل إلى حد اختيار المواطنين لممثلي ولاياتهم من خلال الانتخاب الحر المباشر.

وليمارس المواطنون جميعهم، رجالا ونساء، ممن لهم حق الترشيح والانتخاب والتصويت وفق القانون بممارسة حقهم في هذا المجال عبر انتخابات اتسمت دوما بالشفافية والاقبال الكبير والهدوء في الممارسة، وهو ما حدث في انتخابات عام 2003 وانتخابات عام 2007 على سبيل المثال، ومن المقررأن تجري انتخابات الفترة السابعة لمجلس الشورى العماني (2012 – 2015 ) في اكتوبر من العام القادم .

من جانب آخر فإن صدور النظام الأساسي للدولة في نوفمبر عام 1996، وما تضمنه بالنسبة لمجلس عمان المكون من مجلس الدولة ومجلس الشورى، أدى إلى إنشاء مجلس الدولة ليكون لبنة أخرى لدعم وتعزيز التجربة الديمقراطية العمانية، عبر الاستعانة بخبرات وكفاءة مجموعة من أبرز الشخصيات العمانية المشهود لها ليضمها المجلس حيث يتم تعيين اعضاء المجلس من جانب جلالة السلطان المعظم .

وفي إطار نظام مجلس عمان الذي حدد الاختصاصات لكل من مجلس الدولة ومجلس الشورى والتعديلات التي أدخلت في هذا المجال لاضفاء الطابع البرلماني الكامل على مؤسسات الشورى العمانية تسير تجربة السلطنة في هذا المجال عبر خطى متدرجة تتجاوب مع آمال وتطلعات المواطن العماني، وتحافظ على التقاليد العمانية، وتسمح في الوقت نفسه بالتطور المتواصل في الأداء البرلماني لكل من مجلس الدولة ومجلس الشورى حيث أكد جلالة السلطان المعظم على التطوير المستمر لهذه التجربة التي تحظى برعاية جلالته وليكون المواطن العماني شريكا فعّالا في صنع القرار وهو ما أراده جلالته منذ بزوغ شمس النهضة المباركة .